لبنان
اقتصاد

مشروع التحول الرقمي: استثمارات بمليارات الدولارات وتساؤلات حول السيادة والشفافية

المدن٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٤ م0 مشاهدة
مشروع التحول الرقمي: استثمارات بمليارات الدولارات وتساؤلات حول السيادة والشفافية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مشروع التحوّل الرقمي: السقف قبل الأساس" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

وقّع وزير المالية ياسين جابر، في العاشر من آب، اتفاقية بقيمة 150 مليون دولار مع البنك الدولي لتمويل مشروع التحوّل الرقمي في الإدارات العامة. يهدف المشروع إلى بناء بنية تحتية رقمية، وتعزيز الأمن السيبراني، وإنشاء هوية رقمية وتوقيع إلكتروني، وتطوير منصّات آمنة لتبادل البيانات، وإنشاء بوابة حكومية موحّدة. ورغم وضوح هذه العناوين، فإنّ تفاصيل المشروع تكشف عن جوانب أقلّ طمأنينة.

المشروع، الذي يحمل الرقم التشغيلي P506791 واسمه الرسمي "مشروع تسريع التحوّل الرقمي"، له وثائق متاحة على موقع البنك الدولي. تكشف هذه الوثائق أن الكلفة الإجمالية للمشروع عند التقييم تبلغ 185 مليون دولار، بينما يبلغ القرض 150 مليون دولار، والفارق البالغ 35 مليون دولار غير مشروح في الوثائق المنشورة. كما أن تصنيف البنك الدولي لمحاور المشروع يظهر نسباً مختلفة عن تلك المذكورة في البيان الرسمي، حيث تبلغ نسبة "حماية البيانات والخصوصية" 57% في بلد يفتقر إلى هيئة مستقلة لحمايتها، و"البنية التحتية العامة الرقمية" 57%، منها 50% لأنظمة تحديد الهوية والسجل المدني، مما يعني أن نصف المشروع يتعلق بالهوية الرقمية.

المثير للقلق هو أن الجزء الأساسي من المشروع، المتعلق بالبنية التحتية المادية لمراكز البيانات، لا يموله القرض بشكل مباشر. تنص الوثيقة على أن "مستثمرين من القطاع الخاص سينشرون منصّة السحابة المجتمعية الحكومية في مراكز بيانات جديدة أو مؤهّلة". وسيتم تمويل مركزين للبيانات، أحدهما رئيسي والآخر للتعافي من الكوارث، من القطاع الخاص "إن تحقّقت الشراكة بين القطاعين العام والخاص". هذا يعني أن المكون المادي للمشروع، وهو الأساس الذي يقوم عليه كل شيء آخر، معلّق على شراكة لم تُبرم بعد. الدولة تستدين لبناء الطبقات العليا، بينما تُترك الطبقة التي ستحتضن بياناتها لمستثمر غير معروف، دون تفاصيل عن نموذج عقده، مدته، أو ما سيحدث عند انتهائه. الوثائق لا تجيب عن أسئلة جوهرية حول ملكية الخوادم، مفاتيح التشفير، إلزامية توطين البيانات، بنود الخروج، وقابلية نقل البيانات، وماذا سيحدث لبيانات الدولة في حال إفلاس المشغل أو انسحابه.

محمد نجم، المدير التنفيذي لمؤسسة "سمكس"، يحذر من أن الخطر الأكبر لا يكمن في مراكز البيانات، بل في الهوية الرقمية، مؤكداً على ضرورة أن تكون كل البيانات ضمن نطاق الدولة دون أي شراكة مع القطاع الخاص، وأن تكون "سيادة البيانات" تحت سلطة الدولة اللبنانية بشكل كامل. بالإضافة إلى ذلك، تقر الوثيقة بأن مراكز البيانات تستهلك كميات كبيرة من الطاقة والمياه وتنتج نفايات إلكترونية، وأن طموح بناء "بنية جاهزة للذكاء الاصطناعي المحلي" يتطلب تياراً كهربائياً وتبريداً مستقرين، وهو ما يمثل تحدياً في بلد يعاني من مشاكل في الكهرباء.

من الناحية التنفيذية، الجهة المنفذة هي مكتب التنمية الإدارية (OMSAR)، وليس وزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي التي أقر مجلس الوزراء مشروع قانون لإنشائها مؤخراً. مكتب OMSAR، الذي أُنشئ عام 1994، هو مكتب وزير دولة بلا ولاية قانونية راسخة، ويعتمد تاريخياً على برامج المانحين والاستشاريين. سيتم تمويل "وحدة تنفيذ مخصّصة" داخل المكتب من القرض، وتدرج الوثيقة ضمن المخاطر "قدرة المكتب المحدودة" على تطبيق متطلبات البنك البيئية والاجتماعية. هذا التضارب في الجهات المسؤولة، بين مكتب OMSAR ووزارة التكنولوجيا المقترحة، يثير تساؤلات حول التخطيط الحكومي، كما يشير محمد نجم.

فيما يتعلق بالإطار القانوني، فإن بناء المنصات الرقمية يتقدم بالتوازي مع صياغة التشريعات، بل ويتأخر عنها أحياناً. المشروع تعاقد مع محامٍ لتقييم الإطار القانوني للأمن السيبراني وصياغة قانون. القانون 81/2018 للمعاملات الإلكترونية والبيانات الشخصية هو الأساس القانوني الحالي، لكن رقابته موكلة إلى وزارة الاقتصاد، ولم تصدر أصوله التطبيقية بعد مرور أكثر من سبع سنوات، مما يعني أن معالجة بيانات اللبنانيين تتم عملياً خارج إطار قانوني مكتمل. يشدد نجم على أولوية إصدار قانون لحماية البيانات الشخصية وإنشاء هيئة رقابية مستقلة، مشيراً إلى تجربة كينيا حيث اضطرت الحكومة لإجراء تقييم أثر على حماية البيانات قبل متابعة نظام الهوية الرقمية.

بخصوص مشاركة أصحاب المصلحة، تشير خطة إشراك أصحاب المصلحة إلى مشاركة مؤسسة "سمكس" في الاستشارات. لكن المدير التنفيذي للمؤسسة، محمد نجم، أوضح أن المشاركة كانت محدودة في جلسات صغيرة لمواضيع محددة جداً، وأن المؤسسة لم تُمنح رؤية شاملة للمشروع أو تأكيد على عائده المالي. ويشير نجم إلى نسبة فائدة تبلغ 5% على القرض، وهي غير منشورة رسمياً.

أمام المشروع خمس سنوات للتنفيذ، وهناك هامش ضيق لاتخاذ الإجراءات اللازمة قبل أن يصبح نافذاً. يقترح نجم أربعة اشتراطات أساسية: نشر عقد الشراكة كاملاً، الإفصاح عن المالك المستفيد لكل جهة مشاركة، إجراء تقييم أثر إلزامي على حماية البيانات قبل إطلاق أي منصة، وإقرار قانون لحماية البيانات بهيئة مستقلة كشرط لبدء صرف أموال القرض. هذه الاشتراطات لا تتطلب مالاً، بل قراراً سياسياً حاسماً قبل نقل أي بيانات للمواطنين.

شارك الخبر: