لبنان
سياسة

العفو العام في لبنان: بين طيّ الماضي ومواجهة المستقبل

المدن٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٢٠ م0 مشاهدة
العفو العام في لبنان: بين طيّ الماضي ومواجهة المستقبل

تنويه

هذا الخبر بعنوان "العفو العام واللحظة اللبنانيّة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لا يمكن للعفو العام أن يُفسّر كصفحٍ عن الماضي أو كمغفرة بالمعنى الأخلاقي والشخصي. فالمغفرة فعلٌ أخلاقي يخصّ الضحية والجاني وذاكرتهما، بينما العفو هو فعلٌ سياسي وقانوني يتعلق بالدولة وسلطتها وقدرتها على العقاب. القانون قد يسقط العقوبة، لكنه لا يملك القدرة على شفاء الجراح أو محو آثارها. ولبنان، كبلدٍ منكوب، يدرك جيداً خطورة هذا الفرق، فما لم يتذكره اللبنانيون عن ماضيهم قد يضطرون لمواجهته مجدداً بالطريقة الأسوأ.

في كلّ مرة يخرج فيها لبنان من مرحلة سياسية عنيفة، يسعى للتعامل مع ماضيه بطريقة لا تجعل من العفو بديلاً عن الحقيقة، ولا من العدالة انتقاماً. هذا قد يفسّر شيئاً من مفهوم العدالة الانتقالية، حيث يحاول المجتمع إيجاد توازن بين المحاسبة والمصالحة، وبين حق الضحايا في معرفة الحقيقة وحق المجتمع في الانتقال إلى مرحلة جديدة. لبنان لم يختبر هذه التجربة فعلياً بعد حربه الأهلية، بل سلك منطق التسوية، مما أبقى ملفات كثيرة معلّقة وذاكرة الحرب موزعة بين روايات مختلفة.

تبدو قوانين العفو اللبنانية، التي تظهر بعد كل حقبة حرب، كمرآة تعكس الطريقة التي يتعامل بها البلد مع ما لا يريد مواجهته. ربما لأن لبنان لم يطوِ صفحة الحرب فعلياً، بل طوى ملفها السياسي دون ذاكرتها. المأساة اللبنانية لم تتحول إلى حقيقة عامة، واللبنانيون يؤجلون الماضي، معتقدين أن الزمن كفيل بمعالجته، وهو ما قد يكون أسهل ما يفعله مجتمع على شفير حرب نائمة.

لقد حوّل لبنان المنكوب التسوية إلى حالة مستمرة، ويرمي الملفات والأزمات المتراكمة للمستقبل. يمكن قراءة العفو العام كمدخل للسؤال عن علاقة لبنان بماضيه. كل مرحلة جديدة تبدأ بسؤال حول تركة المراحل السابقة. يعيش اللبنانيون الحروب والاغتيالات والانهيارات، ثم يختلفون على رواياتها ومسؤولياتها.

منذ العفو العام الأخير في 1991، شهد لبنان تحولات كبيرة: انتهاء الحرب الأهلية، تحرير الجنوب، اغتيال رفيق الحريري، خروج الجيش السوري، الانقسام حول المحكمة الدولية، حروب حزب الله، وتغير ميزان القوى الإقليمي مع سقوط نظام بشار الأسد. اليوم، يعود العفو العام إلى لبنان، لكنه ليس لبنان 1991. ففي 1991 كانت سوريا جزءاً من إعادة تركيب لبنان، أما اليوم فسوريا تعيد تركيب نظامها. حزب الله أيضاً يقف أمام مرحلته المختلفة، منهكاً من حروبه، ويواجه ضغوطاً لإعادة تعريف علاقته بالدولة.

في 1991، كان لبنان يريد طي صفحة الحرب الأهلية. أما اليوم، فيبدو العفو العام نتيجة لتحول في لبنان والمنطقة، حيث يحاول البلد الخروج من قيود ومعادلات حكمته طويلاً. هذا القانون قد يكون تجسيداً لمحاولة لبنان إغلاق مرحلة سابقة، والعودة إلى فكرة الدولة كمرجعية وحيدة للقرار والسلاح. في مثل هذه اللحظات، تصبح القوانين الصغيرة مدخلاً لقراءة البلد في نكبته، وهو يقرر ماذا سيفعل بماضيه. لبنان اختار غالباً طريقه الأسهل بطيّ الصفحة، لكن الصفحات التي لا تُقرأ تعود لتتلبّس في حياة الناس، في صورة الطوائف والذاكرة والخوف من المستقبل.

شارك الخبر: