لبنان
اقتصاد

من أنابيب مصر إلى دير عمار: الغاز والكهرباء في قبضة الحرب والسياسة

المدن٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:١٦ م0 مشاهدة
من أنابيب مصر إلى دير عمار: الغاز والكهرباء في قبضة الحرب والسياسة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من الأنابيب إلى معمل دير عمار: الغاز والكهرباء رهنا الحرب" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تُعدّ أزمة الكهرباء قضية نقاش مستمر، ويظلّ تأمين ساعات تغذية أطول للمواطنين مطلباً أساسياً. ومع ذلك، فإنّ إيجاد الحلول ليس دائماً بالأمر اليسير، فما يمكن تطبيقه نظرياً قد لا يُنفّذ بالسرعة والتكلفة والفعالية المطلوبة. ترتبط الحلول وتنفيذها بمتغيرات مالية وسياسية وأمنية، محلية وإقليمية، ومن بين هذه الحلول مشروع استجرار الغاز من مصر عبر الأردن وسوريا وصولاً إلى معمل دير عمار. بدأت التحضيرات التقنية لاستجرار الغاز إلى معمل دير عمار من الجانب اللبناني، حيث قامت الشركة الفنية المصرية لخدمات تشغيل خطوط الغاز (TGS) بصيانة الأنابيب. لكن المرحلة الثانية تتوقف على صيانة معمل دير عمار، وتحديداً مجموعات الإنتاج الغازية، وهذا هو التحدي الحقيقي، حيث لا تنتهي القصة عند صيانة الأنابيب. فهل نحن بعيدون عن زيادة ساعات التغذية الكهربائية؟

خط الأنابيب والتمويل المعلق

لم يتمكن لبنان من الحصول على تمويل من البنك الدولي لاستجرار الغاز عبر خط الغاز العربي القادم من مصر مروراً بالأردن وسوريا. منذ عام 2021، كانت التحضيرات جارية لاستجرار الغاز بالتوازي مع استجرار الكهرباء من الأردن، بتمويل مفترض من البنك الدولي بقيمة 270 مليون دولار. إلا أن المشروع لم يرَ النور لأسباب عديدة، أبرزها التحولات السياسية في المنطقة والعالم. ومع ذلك، لم تمت فكرة المشروع، بل استمرت مع تعديلات في جوانبها، خاصة فيما يتعلق بالتمويل، وهُوية الغاز الذي سيصل إلى لبنان، وآلية شرائه.

لم ينتظر لبنان ومصر اتفاقية القرض المفترضة مع البنك الدولي لتمويل استجرار الغاز والكهرباء، بل شرع البلدان في اتخاذ خطوات لوجستية لاستقبال الغاز، بمعزل عن مصدر التمويل وموعد الضخ. في نهاية عام 2021، قدم فريق TGS لوزارة الطاقة تقريراً عن خط الغاز والمحطات التابعة له بعد معاينتها داخل لبنان، وشرح الخطوات التقنية اللازمة لصيانة الخط والتأكد من جاهزيته عند بدء ضخ الغاز المصري إلى معمل دير عمار. وفي مايو 2026، وقّع وزير الطاقة اللبناني جو الصدي ووزير البترول المصري كريم بدوي اتفاقاً لإعادة تأهيل شبكات الغاز في لبنان عبر شركة TGS. وفي 15 يونيو 2026، تم توقيع "اتفاق رضائي مع شركة TGS لإعادة تأهيل خط الغاز العربي"، بقيمة 748,100 دولار، وفقاً لهيئة الشراء العام. ومن المتوقع أن ينتهي العمل وفق العقد في 14 سبتمبر المقبل. الخط المزمع صيانته يبلغ قطره 24 بوصة وطوله حوالي 30 كيلومتراً، بالإضافة إلى تحديث محطات القياس والتخفيض وأنظمة التحكم والتشغيل.

على أرض الواقع، بدأت الشركة المصرية أعمال التأهيل "منذ نحو أسبوعين"، حسبما أفاد الصدي، مشيراً إلى أن "المرحلة الحالية تتطلب حوالي أربعة أسابيع إضافية لاستكمال أعمال الصيانة والتأهيل". وخلال زيارته لمنشآت النفط والغاز في منطقة البداوي للاطلاع على واقعها وتفقد أعمال صيانة خط أنابيب الغاز، أكد الصدي أنه "بعد إنجاز هذه الأعمال، ستبدأ مرحلة اختبار الخط وتشغيل الغاز تجريبياً، على أن تستمر لنحو أسبوعين للتأكد من سلامة الخط وجاهزيته للعمل". وبالتوازي مع أعمال الصيانة، "أصبحت عقود شراء الغاز وعبوره عبر سوريا في مراحلها النهائية، وستحال إلى مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان لاتخاذ القرار المناسب، باعتبار المؤسسة الجهة الشارية، على أن تُحال بعد موافقتها إلى مجلس الوزراء للحصول على الموافقة النهائية".

صيانة معمل دير عمار: تحدٍ أمني وتقني

قد تكون أعمال صيانة الأنابيب من الجانب اللبناني، وهي جزء من خط الغاز العربي الممتد من مصر إلى لبنان، هي المرحلة الأسهل. فانتهاء أعمال الصيانة لا يعني بدء ضخ الغاز وإنتاج الكهرباء. من الناحية التقنية، يجب أن تقابل صيانة الأنابيب صيانة مماثلة لمعمل دير عمار الذي سيستقبل الغاز، وتحديداً وحدات الإنتاج فيه. ووفق مصادر متابعة لملف معامل الكهرباء، فإن "وحدات الإنتاج على الغاز في معمل دير عمار بحاجة أيضاً إلى صيانة، وهذا يتطلب التواصل مع شركة سيمنز الألمانية المصنعة". وتضيف المصادر في حديث لـ"المدن" أن الشركة الألمانية "ترفض حالياً القدوم إلى لبنان لإجراء الصيانة، بسبب الأوضاع الأمنية". وتأمل المصادر أن "يتم حل الموضوع عبر الاتصالات السياسية بين البلدين لطمأنة الشركة، بعد التأكيد على أهمية إجراء الصيانة". وتشير المصادر إلى أن "بدء ضخ الغاز لا يزال بعيداً، لأن خطوات عملية كثيرة يجب القيام بها قبل الضخ، فضلاً عن العوائق السياسية المرتبطة بما يجري في محيط لبنان والعالم. فالسماح بضخ الغاز في الخط العربي وصولاً إلى لبنان، يحتاج إلى قرار سياسي، وهو ما منع في المرة السابقة تمويل استجرار الغاز من مصر والربط الكهربائي مع الأردن. ومع ذلك، على لبنان استكمال أعمال صيانة الأنابيب ولوحدات الإنتاج في معمل دير عمار، وهي الخطوة الثانية التي لا يمكن تخطيها".

العوائق المالية والسياسية

لا تؤثر المشكلة الأمنية والقرار السياسي فقط على تسيير الغاز في الخط العربي أو على قدوم شركة سيمنز لإجراء الصيانة، بل أيضاً على تمويل الشراء واستدامته. في الصيغة السابقة، ارتبط التمويل بقرض من البنك الدولي، وراهناً سيكون الشراء لبنانياً عبر صيغة شراء ثلاثية للأردن وسوريا ولبنان. علماً أن هوية الغاز نقطة محورية؛ فبالنسبة للبنان، لا يتيح القانون حتى الآن شراء غاز إسرائيلي، في حين أن الغاز المتاح على الخط من مصر إلى الأردن هو إسرائيلي بنسبة كبيرة، ولا يمكن فصل دخوله إلى الخط العربي عن أي غاز آخر، وإن اختلفت هويته. بالتوازي، ستدفع مؤسسة كهرباء لبنان ثمن الغاز من مالها الخاص، وهو ما تؤكده مصادر في إدارة المؤسسة خلال حديث لـ"المدن". وتضيف المصادر أن المؤسسة "باتت قادرة مالياً على تأمين الفيول والغاز بعد رفع التعرفة. والمؤسسة أعطت لوزارة الطاقة موافقتها المبدئية على شراء الغاز، خصوصاً أنه أقل كلفة من الفيول. كما أن عملية الشراء لن تتم بين ليلة وضحاها، بل تحتاج إلى وقت، تكون خلاله المؤسسة قد زادت إمكانياتها المالية".

لكن هذا التصور قد يتغير مع ما قد تفرزه الحرب. ووفق المصادر، فإن "مالية المؤسسة تستنزف بسبب ارتفاع أسعار النفط عالمياً بفعل إقفال مضيق هرمز، مما يعني صرف مبالغ أكبر على شراء الفيول للمعامل. لكن في حال انتهاء الحرب وفتح المضيق وتراجع أسعار النفط، ستتمكن المؤسسة من توفير مبالغ مالية أكبر لشراء الغاز. كما يمكن الاستفادة من المبالغ التي ستدفعها الدولة من مستحقات المؤسسة على إداراتها العامة".

ختاماً، صيانة الأنابيب ليست بداية ضخ الغاز. فخطوة تأهيل وحدات الإنتاج الغازية أمر أساسي، وحسم هوية الغاز ضروري، والقرار السياسي ببدء الضخ لا بد منه، وضمان استدامة القدرات المالية للمؤسسة مرهون بالحرب ومجرياتها. وعليه، فإن شبكة معقدة من العوائق تنتظر زيادة ساعات التغذية.

شارك الخبر: