الأب بولس نعمان: راهبٌ حمل لبنان في قلبه ووجدانه، وترك إرثاً فكرياً ووطنياً خالداً


هذا الخبر بعنوان "بولس نعمان… راهبٌ حمل لبنان في قلبه ووجدانه" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
ودّعت الكنيسة المارونية والرَّهبانيَّة اللبنانيَّة المارونية وبلدة شرتون في قضاء عاليه، الأسبوع الماضي، بصلاةٍ وحزنٍ، قدس الرئيس العام الأسبق للرهبانيَّة اللبنانيَّة المارونيَّة الأباتي بولس نعمان، عن عمر ناهز 94 عاماً. ترك الأباتي نعمان وراءه إرثاً فكرياً وروحياً غنياً، تمحورت أبرز قضاياه حول التاريخ والإنسان والوطن والحرية. في هذه المناسبة، يستذكر البروفسور فادي جورج قمير صديقه العزيز الراحل، مشيراً إلى زيارته له عام 2015 في مكتبه عندما كان مديراً عاماً للموارد المائية والكهربائية، وإهدائه كتابه "لبنان الموارنة إلى أين؟".
يصف قمير قراءته للكتاب بالإعجاب والشغف، مؤكداً أنه كان باعثاً على تأمل ثري وملهم، خاصة الفصل الأخير منه بعنوان "هل انتهى عهد الكبار؟"، والذي يعتبره ضرورياً لكل مسؤول يتعاطى الشأن العام. بعد رحيل الأباتي نعمان، أعاد قمير قراءة هذا الفصل، فوجد فيه تأملاً عميقاً يدعو إلى التفكير المشترك وتبادل الرؤى. يستشهد قمير بفقرة من الكتاب تربط بين الأزمات في لبنان وعدم احترام الآخر، حيث يذكر اتفاق الماروني والدرزي، واتفاق الماروني والمسلم السني، واتفاق الماروني والسنّي والدرزي، مشيراً إلى أن وحدة لبنان وسيادته تتحقق حين يتفق الجميع.
برحيل الأباتي بولس نعمان، لا تغيب شخصية دينية وتاريخية فحسب، بل تطوي الرهبانية اللبنانية المارونية صفحة من صفحات رهبان عاشوا الرهبنة التزاماً بالإنسان، والوطن قضية، والحرية مسؤولية. كان الأباتي نعمان مفكراً وصاحب ذاكرة، حمل بقلق همّ وطنه، واختصر عالمه الفكري في ثلاث كلمات: الإنسان، الوطن، الحرية. هذه الكلمات لم تكن مجرد عنوان لكتاب، بل كانت تعبيراً عن تاريخ طويل من النضال ومأساة إنسانية ظل يتحسسها في فكره ووجدانه وهو يتابع تاريخ تكوّن لبنان وطناً حراً سيداً مستقلاً. كان سؤاله الدائم: "لماذا هذه الواحة من الحرية في صحراء من الإذلال للإنسان؟".
كتب الأباتي نعمان مذكراته انطلاقاً من أمانته، لكونه عاصر مرحلة تاريخية صعبة، وشعر بمسؤوليته عن نقلها بأمانة إلى الأجيال. لم يكن التاريخ عنده مجرد سرد للأحداث، بل ذاكرة أخلاقية تتطلب تحمل مسؤولية ما حدث، وقراءة الماضي لفهم الحاضر وحماية المستقبل. اختصرت ثلاثيته "الإنسان، الوطن، الحرية" فكره، فالإنسان كان نقطة البداية، والحرية لم تكن فكرة مجردة، والوطن لم يكن مجرد أرض وحدود، بل المكان الذي يستطيع فيه الإنسان أن يعيش بكرامة وبحرية. تساءل الأباتي نعمان: "ما بديل لبنان حصناً للحرية، وقد تطورت تقنيات الشرّ؟"، معتبراً أن الوطن يفقد معناه إذا فقد الإنسان حريته، وأن الحرية لا تكون ممكنة بدون وطن يحميها.
من أبرز عباراته في هذا المجال قوله: "المارونية رسالة تحرير مشرقيّة"، ربطها بمفهوم الإنسان الحرّ، والانفتاح على الآخر المختلف. لم تكن الهوية المارونية عنده انغلاقاً، بل انفتاحاً على الإنسان والتعدد والحضارة. وأكد أن الانتماء الحقيقي لا يحتاج إلى إلغاء الآخر لإثبات ذاته. كما اعتبر أن "قُدّر للموارنة أن يكونوا شهوداً للحرية في هذا الشرق"، وأن مساحة لبنان كانت دائماً مساحة الحرية عند الموارنة وفي الشرق. راهب لم ينعزل عن وطنه، بل عاش الرهبنة في قلب المجتمع، والتعليم في قلب الجامعة، والتاريخ في قلب الذاكرة اللبنانية، والوطن في قلب اهتمامه. لم يكتفِ بالكلام عن القيم، بل جعل من حياته شهادة عليها، ليصبح في مصاف الكبار العظماء الذين خلّدوا ذكراهم في الأرض والسماء.
لم يكن من السهل اختصار بولس نعمان في لقب واحد، فهو الأباتي، والمؤرخ، والأستاذ الجامعي، والرئيس العام السابق. ترك كتباً وأبحاثاً وشهادات، وترك قبل ذلك أسئلة عن لبنان، وعن الحرية، وعن الإنسان، وعن معنى أن تكون الكنيسة في خدمة مجتمعها. بقيت كلماته تذكّرنا بأن الوطن ليس أرضاً فقط، وأن الحرية ليست شعاراً فقط، وأن الإيمان لا يكتمل إذا لم يتحول إلى خدمة للإنسان. رحل الراهب الكبير بإيمانه ورسالته وحبه لوطنه، وبقي أثره خالداً.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة