نتنياهو يكشف استراتيجيته في الجنوب وسط انقسام لبناني حول خيارات المواجهة


هذا الخبر بعنوان "نتنياهو يكشف أوراقه جنوباً.. وانقسام لبناني بخيارات المواجهة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشهد المشهد اللبناني مفارقة قاسية؛ فبينما يكشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أوراق إسرائيل معلنًا الجنوب اللبناني ساحة استنزاف مفتوحة، تخوض القوى اللبنانية سجالًا داخليًا محتدمًا حول خيارات الإنقاذ، في ظل تآكل الحلول الدبلوماسية وغياب استراتيجية وطنية موحدة.
تصريحات نتنياهو حول استمرار ضرب حزب الله بهدف تحقيق "صناعة السلام مع الشعب اللبناني" ترسم ملامح السياسة الإسرائيلية. فالمعطيات الميدانية تشير إلى أن تفجير القرى وتوسيع نطاق الغارات يهدف إلى تثبيت احتلال طويل الأجل وتكريس "الخط الأصفر" وتوسيعه. كما يستغل نتنياهو دمار الجنوب كورقة في معركته لانتخابات الكنيست، ويسعى لفرض "نزع السلاح" كشرط تعجيزي في مفاوضات تامبا، مؤطرًا اللقاء لضمان استمرار حرب الاستنزاف دون التزام بالانسحاب الشامل.
في المقابل، تذهب السلطة اللبنانية إلى تامبا بسلة مطالب تشمل وقف العدوان والانسحاب الشامل وتفعيل الشرعية الدولية، لكنها تفتقر لأوراق ضغط ملموسة. ويتفاقم هذا العجز مع انسداد أفق المظلة الدولية وفشل إيجاد بديل لقوات "اليونيفيل"، مما يهدد بترك الجنوب لمصير الفراغ الأمني الذي تستغله إسرائيل.
يعكس هجوم حزب الله على الدولة حجم الشرخ الداخلي. فبينما يرى الشيخ حسن عز الدين أن الذهاب إلى المفاوضات منح العدو حرية الحركة، يؤكد النائب حسن فضل الله عجز السلطة عن الحماية، مشددًا على ضرورة المقاومة وأن معالجة السلاح تأتي بعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل وإعادة الإعمار.
تُظهر إسرائيل خطة أمنية وسياسية واضحة للمرحلة المقبلة في جنوب لبنان، مدعومة أميركيًا وفي ظل ضبابية دولية. بينما يقف لبنان في أضعف لحظاته السياسية، بوفد تفاوضي بآمال ضئيلة، ومؤسسات رسمية مشلولة، وقوى سياسية متشرذمة.
تامبا: تفاوض تحت سقف القوة
تكمن مشكلة جولة تامبا المرتقبة في الاختلال البنيوي للمفاوضات. فلبنان يطالب بتطبيق اتفاق سابق، بينما إسرائيل حولت التنفيذ الانتقائي إلى واقع جديد. لم تعد المفاوضات حول العودة لما قبل الحرب، بل حول ما يمكن للبنان استعادته من أرضه والقيود المفروضة عليه.
من المتوقع أن تتركز المباحثات على الجوانب العسكرية والأمنية، الترتيبات الميدانية، ومناطق الانسحاب التجريبية، وانتشار الجيش اللبناني. ربط "اتفاق الإطار" الأميركي الانسحاب بانتشار الجيش وحصر السلاح، بينما تصر بيروت على توازي المسارين وعدم تحويل مسألة السلاح إلى التزام لبناني أحادي.
تتعامل إسرائيل مع المفاوضات كوسيلة لإدارة الاحتلال وتعديل شروطه، وليس بالضرورة كمسار للانسحاب. وكلما طالت المفاوضات، زاد احتمال تحول الانتشار الإسرائيلي المؤقت إلى واقع طويل الأجل، خاصة مع ربط الانسحاب بمطلب "نزع سلاح حزب الله" الفضفاض.
الجيش في قلب المعادلة الجديدة
في مواجهة هذا الواقع، تراهن الدولة اللبنانية على المؤسسة العسكرية كأداة وحيدة لإعادة إنتاج شرعية الدولة في الجنوب. ويتزامن التصعيد السياسي والعسكري مع تمرين "PEGASUS CEDAR 2026" المشترك مع الجيش البريطاني، بمشاركة أميركية وإيطالية ودول أخرى.
يتجاوز التمرين معناه التدريبي إلى رسالة سياسية حول مستقبل الجنوب ودور الجيش. تعزيز قدرات الجيش يُعد جزءًا من هندسة سياسية أكبر لنقل المسؤولية الأمنية تدريجيًا إلى الدولة اللبنانية، مع إيجاد شبكة دعم دولية.
لكن الدعم الدولي يحمل مفارقة؛ فالغرب يريد جيشًا قادرًا على ضبط الجنوب وحصر السلاح، لكنه لم يقدم مظلة سياسية تضمن انتشار الجيش في أرض خالية من الاحتلال. فالمؤسسة العسكرية مطالبة بضمان الاستقرار دون أن تمتلك الدولة ضمانة لوقف العمليات الإسرائيلية.
ما بعد "اليونيفيل": سباق مع الفراغ
تزداد خطورة المعادلة مع اقتراب مرحلة ما بعد "اليونيفيل". لم ينجح لبنان في تثبيت صيغة دولية بديلة، بينما يدور النقاش حول قوة جديدة أو آلية مراقبة. يفسر ذلك الحضور اللافت لدول مثل فرنسا وإيطاليا والأردن في النقاشات العسكرية.
الخطر يكمن في دخول لبنان مرحلة الفراغ قبل اكتمال البديل. عندها، ستستخدم إسرائيل غياب آلية دولية فاعلة كدليل على ضرورة احتفاظها بحرية الحركة، بينما يجد الجيش نفسه أمام مسؤوليات أكبر وإمكانات سياسية محدودة.
الدولة بين الخارج والداخل
داخليًا، لا تبدو السلطة قادرة على تحويل موقفها التفاوضي إلى استراتيجية وطنية متماسكة. يعكس لقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام حجم الملفات المتراكمة.
المفاوضات مع إسرائيل لا تجري في فراغ اقتصادي. الدولة التي تريد تثبيت حضورها في الجنوب تحتاج إلى إعادة الإعمار والخدمات. زيارة سلام الأخيرة إلى النبطية وإطلاق مشاريع في المناطق المتضررة يكتسب بعدًا يتجاوز الإنماء، فمعركة تثبيت الدولة في الجنوب هي معركة ثقة السكان بقدرة الدولة على إعادتهم وحماية شروط بقائهم.
تواجه السلطة سؤالًا أكثر إحراجًا: كيف يمكن إقناع اللبنانيين بأن المسار الدبلوماسي ينتج نتائج، فيما يستمر القصف والاحتلال؟ وكيف يمكن إقناع حزب الله بتسليم ورقة السلاح في ظل غياب انسحاب إسرائيلي كامل؟
حزب الله يعيد ترتيب حجّته
من هذه الفجوة، يعيد حزب الله بناء حجّته الداخلية، مركزًا خطابه على أن المفاوضات لم توقف الاعتداءات ولم تستعد الأرض، وأن الدولة لم تنجح في توفير الحماية. هذه الحجة تمنح الحزب مساحة سياسية للدفاع عن السلاح، لكنها لا تحل المعضلة التي يواجهها.
الحرب أضعفت قدرة الحزب على تقديم السلاح كضمانة، كما أظهرت مرحلة المفاوضات ضعف قدرة الدولة على توفير البديل. لا يدور النزاع اللبناني اليوم بين خيار أثبت نجاحه وآخر فشل، بل بين نموذجين فقدا جزءًا أساسيًا من قدرتهما على الإقناع.
إسرائيل تفاوض على لبنان الذي تريده
تبدو إسرائيل الطرف الوحيد الذي يدخل المرحلة المقبلة بأهداف أكثر وضوحًا. فهي تريد جنوبًا منزوع القدرة العسكرية لحزب الله، جيشًا لبنانيًا يتولى ضبط الأرض، آلية دولية تراقب التنفيذ، وحرية إسرائيلية في التدخل.
لبنان لا يزال يتفاوض في مستويين متناقضين: خارجيًا، يحاول إثبات قدرته على بناء دولة تحتكر السلاح، وداخليًا، لم يحسم بعد التوافق السياسي الذي يتيح لهذه الدولة تنفيذ هذا الاحتكار. تصبح تامبا اختبارًا لقدرة الدولة على منع انتقال لبنان من مرحلة الاحتلال المؤقت إلى مرحلة الأمن الإسرائيلي الدائم.
الوقت لم يعد عنصرًا محايدًا. كلما تأخر الانسحاب، ترسخ الاحتلال، وكلما استمر القصف، استعادت حجة السلاح شرعيتها، وكلما غاب البديل عن "اليونيفيل"، اتسعت مساحة الحركة الإسرائيلية.
يحتاج لبنان إلى معادلة سياسية تربط الانسحاب، وحصر السلاح، وإعادة الإعمار، وحماية الجنوب، ضمن مسار متزامن. فالمعركة المقبلة هي على من يملك حق رسم قواعد الأمن في الجنوب: الدولة اللبنانية، أم إسرائيل تحت عنوان "الضمانات"، أم استمرار الازدواجية بين دولة ضعيفة وسلاح خارجها.
إذا وصل لبنان إلى تامبا بلا إجابة داخلية عن هذا السؤال، فقد يعود باتفاق جديد، لكن دون أن يستعيد فعليًا حقّه في تحديد شكل السلام الذي يجري التفاوض عليه باسمه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة