إسرائيل تستغل الحوادث الحدودية لفرض ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب اللبناني


هذا الخبر بعنوان "إسرائيل تُراكِم ذرائع التصعيد.. وترتيبات أمنيّة تنتظر الجنوب" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا شكّ أنّ الحوادث الأمنيّة المتلاحقة على الحدود اللبنانيّة الإسرائيليّة لها دلالاتٌ تتجاوز سياقها الميدانيّ، لكن لا يمكن التعامل معها بوصفها مؤشّراتٍ حتميّة إلى حربٍ جديدة. فبين استنزاف الجيش الإسرائيليّ، والحسابات السّياسيّة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والتحضيرات الأميركيّة والأوروبيّة لإعادة ترتيب المشهد الأمنيّ في الجنوب، تتشكّل مرحلةٌ تتجاوز خطورتها احتمال تجدّد المواجهة العسكريّة إلى طبيعة التسوية الّتي قد تُفرض على لبنان. السؤال لم يعد محصورًا بما إذا كانت إسرائيل ستصعّد، بلّ يتجاوز ذلك ليطال فرضية الاستعداد الإسرائيليّ لتوظيف التوتّر الأمنيّ في تثبيت المكاسب العسكريّة، وفرض ترتيباتٍ جديدة على الأرض، بعدما غيّرت عمليّات إسرائيل في مرتفعات علي الطاهر جزءًا من المعادلة الميدانيّة، فيما تبقى الدولة اللبنانيّة أمام استحقاق استعادة سيادتها، من دون ضماناتٍ إسرائيليّة بالانسحاب أو وقف الاعتداءات.
أعادت الحوادث التي شهدتها المناطق الحدوديّة أخيرًا فتح النقاش الإسرائيليّ حول جهوزيّة الجيش، وقدرته على إدارة جبهةٍ يُفترض أنّه نجح في تقليص التهديدات الآتية منها. فمن انفجار ذخيرةٍ قديمة قرب كيبوتس يفتاح، وما أسفر عنه من ضحايا وإصابات بين طلّابٍ إسرائيليّين، إلى الحوادث العمليّاتيّة التي طاولت عسكريّين وآليّات، وصولًا إلى استنفار الدفاعات الجوّيّة بسبب أجسامٍ مجهولة، تبدو الجبهة الشماليّة بعيدةً عن الاستقرار الذي تسعى القيادة الإسرائيليّة إلى تكريسه. غير أنّ الدلالة السياسيّة لهذه الوقائع لا تكمن في حجم الخسائر وحده، بل في قابليّتها للاستثمار ضمن الخطاب الأمنيّ الإسرائيليّ. فالحوادث التي لا ترتبط بالضرورة بأيّ نشاطٍ عسكريّ لبنانيّ قد تُستثمر لإعادة إنتاج صورة التهديد الدائم، وتعزيز المطالبة بتوسيع الإجراءات العسكريّة الوقائيّة. ولا يعني ذلك وجود قرارٍ إسرائيليّ مسبق باستغلال كلّ حادثة لتبرير التصعيد، لكنّ تزامنها مع استمرار الاحتلال وغياب الردود العسكريّة من الجانب اللبنانيّ يطرح سؤالًا عن مدى استعداد تل أبيب لتحويل الهواجس الأمنيّة الداخليّة إلى ذرائع لعمليّاتٍ جديدة في الجنوب. ويكتسب هذا السؤال أهمّيّة إضافيّة في ضوء التحذيرات التي أطلقها اللواء الاحتياط الإسرائيليّ يتسحاق بريك، بشأن استنزاف الجيش وعدم استعداده لخوض حربٍ متعدّدة الجبهات. فبينما تواصل القيادة العسكريّة الإسرائيليّة التلويح بقدرتها على توسيع عمليّاتها، تكشف هذه التحذيرات عن نقاشٍ داخليّ حول كلفة المواجهة الطويلة، وحدود قدرة المؤسّسة العسكريّة على تحمّلها.
في قراءةٍ تتجاوز الحوادث المباشرة إلى المخطّطات المطروحة للمرحلة المقبلة، يرى اللواء عبد الرحمن شحيتلي، الرئيس السابق للوفد المفاوض حول الحدود البحريّة، في حديثه إلى "المدن"، أنّ مؤشّراتٍ أميركيّة بدأت تظهر بشأن البحث في ترتيباتٍ أمنيّة وعسكريّة جديدة للبنان. ويكشف شحيتلي عن توجيهاتٍ أميركيّة إلى وزارتَي الخارجيّة والدفاع للبدء بالبحث في حلولٍ تتعلّق بالوضع اللبنانيّ، من بينها التحضير لقوّةٍ تتولّى مواكبة انتشار الجيش اللبنانيّ في الجنوب، ومراقبة عمليّة تجهيزه وتعزيز قدراته، إلى جانب قوّةٍ أخرى قد تُكلَّف بمهامّ في مناطق لبنانيّة مختلفة. وبحسب شحيتلي، يجري التداول في واشنطن بإمكان إسناد دورٍ إلى فرنسا في تجهيز القوّات التي ستعمل خارج الجنوب، فيما تتمسّك الولايات المتّحدة بأن تكون أيّ قوّةٍ تعمل في المنطقة الجنوبيّة مقبولةً من الجانب الإسرائيليّ. وتتزامن هذه النقاشات، وفق معلوماته، مع بداية تحريك ملفّ المساعدات الدوليّة للبنان، بما يوحي بأنّ الترتيبات الأمنيّة المقترحة لا تنفصل عن مسارٍ أوسع لإعادة تنظيم الدعم الخارجيّ للمؤسّسات اللبنانيّة. غير أنّ شحيتلي يتوقّف عند ما يعتبره الإشكاليّة الأكثر حساسيّة في هذا المسار. فالتجربة اللبنانيّة، بحسب قراءته، تُظهر أنّ التسويات الكبرى لا تأتي دائمًا في ظروفٍ هادئة، بل كثيرًا ما تسبقها مراحل من التصعيد ترفع كلفة الاعتراض عليها. ومن هنا، يطرح احتمال أن يكون رفع مستوى التوتّر مقدّمةً لتهيئة الظروف السياسيّة والأمنيّة أمام ترتيباتٍ جديدة، بما يجعل قبولها داخليًّا أكثر سهولة. ولا يقدّم شحيتلي هذا السيناريو باعتباره قرارًا أميركيًّا محسومًا، بل بوصفه احتمالًا يستدعي التنبّه إليه، ولا سيّما إذا ترافقت التحضيرات الدوليّة مع تصعيدٍ إسرائيليّ يزيد حاجة لبنان إلى ضماناتٍ أمنيّة خارجيّة.
في هذا السياق، يصعب فصل البحث في مستقبل القوّات الدوليّة عن المخطّط الإسرائيليّ للجنوب بعد العمليّات التي شهدتها مرتفعات علي الطاهر. فأهمّيّة هذه المرحلة لا تقتصر على السيطرة على مواقع عسكريّة أو تدمير تحصينات، بل تتّصل بمحاولة إعادة رسم المجال الأمنيّ الذي تتحرّك ضمنه القوّات الإسرائيليّة، وتحديد المواقع التي يمكن استخدامها لاحقًا في أيّ ترتيباتٍ تفاوضيّة. وبذلك، يتحوّل السؤال من طبيعة العمليّات العسكريّة الإسرائيليّة إلى الغاية السياسيّة منها. فهل تسعى تل أبيب إلى تحويل انتشارها الحاليّ إلى ترتيباتٍ أمنيّة طويلة الأمد، أم إلى استخدام المواقع التي تسيطر عليها لفرض شروطٍ إضافيّة قبل الانسحاب؟ وتزداد حساسيّة هذه المعادلة مع استمرار الحديث عن بدائل محتملة لقوّات "اليونيفيل"، أو ترتيباتٍ تواكب انتشار الجيش اللبنانيّ وتراقب أداءه. فالخلاف لا يتّصل بضرورة دعم الجيش فحسب، بل بطبيعة الجهة التي ستتولّى مراقبة الحدود، وصلاحيّاتها، ومدى خضوعها لموافقة إسرائيل، وما إذا كان انتشارها سيقترن بانسحابٍ إسرائيليّ كامل، أو سيأتي لتكريس واقعٍ أمنيّ نشأ تحت الاحتلال.
ولا يفصل شحيتلي هذا المشهد عن الحسابات السياسيّة الداخليّة لرئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، الذي يواجه استحقاقًا انتخابيًّا يجعل التطوّرات الأمنيّة عنصرًا مؤثّرًا في خياراته. ويعتبر أنّ نتنياهو قد يسعى إلى استثمار أيّ حادثةٍ أمنيّة لتحقيق مكاسب عسكريّة أو سياسيّة، أو لإعادة خلط الأوراق إذا لم تَخدم الظروف الانتخابيّة مصالحه. وبحسب قراءته، فإنّ توجيه ضربةٍ عسكريّة إلى إيران قد يستدعي ردًّا واسعًا يحمّل إسرائيل خسائر يصعب استثمارها سياسيًّا. أمّا لبنان، فيبدو ساحةً أقلّ كلفة، في ظلّ استمرار العمليّات الإسرائيليّة من دون ردودٍ عسكريّة مقابلة. وانطلاقًا من ذلك، يطرح شحيتلي احتمالَين. الأوّل، تنفيذ عمليّاتٍ في لبنان لتحقيق إنجازٍ يمكن توظيفه في المعركة الانتخابيّة. والثاني، توسيع المواجهة إذا تعذّر تحقيق الأهداف المطلوبة، بما قد يتيح لنتنياهو محاولة تأجيل الانتخابات وإعادة ترتيب المشهد الداخليّ. غير أنّ هذه الاحتمالات تبقى جزءًا من قراءةٍ سياسيّة لحسابات نتنياهو، ولا تشكّل دليلًا على وجود خطّةٍ مقرّرة لتأجيل الانتخابات أو إشعال مواجهةٍ واسعة. وفي تقدير شحيتلي، ستكون المرحلة الفاصلة عن الاستحقاق الانتخابيّ شديدة الحساسيّة، خصوصًا أنّ أيّ حادثةٍ أمنيّة قد تتحوّل إلى مادّةٍ للتصعيد، حتّى إذا لم تكن ناجمةً عن نشاطٍ عسكريّ من الجانب اللبنانيّ.
ويتوقّف شحيتلي عند قضيّة المتفجّرات المضبوطة في ضهر البيدر، باعتبارها عنصرًا آخر يمكن أن يدخل في حسابات التصعيد الإسرائيليّ. فبرأيه، قد تتيح الضجّة الإعلاميّة والسياسيّة التي أحاطت بالشحنة لإسرائيل تقديم روايةٍ مفادها أنّ "حزب الله" يواصل التحضير لعمليّاتٍ عسكريّة، وأنّ نشاطه لا يشكّل تهديدًا لإسرائيل وحدها، بل للأمن الداخليّ اللبنانيّ أيضًا. وتكمن خطورة هذا الطرح في إمكان استخدامه لتوفير غطاءٍ سياسيّ وإعلاميّ لأيّ عمليّاتٍ إسرائيليّة جديدة، عبر تصويرها باعتبارها إجراءاتٍ تهدف إلى إزالة أخطارٍ تتجاوز الحدود الإسرائيليّة. لكنّ الربط بين الشحنة وأيّ مخطّطٍ هجوميّ محدّد يبقى غير مثبت، كما أنّ استخدام إسرائيل لهذا الملفّ في خطابها الأمنيّ لا يمنحها مشروعيّة تنفيذ اعتداءاتٍ على الأراضي اللبنانيّة.
بالتوازي، أقرّ وزراء خارجيّة الاتّحاد الأوروبيّ إطلاق بعثة دعمٍ جديدة للبنان، بولايةٍ أوّليّة تمتدّ ثلاث سنوات، لتقديم المشورة والمساعدة للجيش اللبنانيّ وقوى الأمن الداخليّ، وتعزيز قدراتهما في ضبط الحدود والأمن الداخليّ وبسط سلطة الدولة. ويأتي هذا القرار في مرحلةٍ تتكثّف فيها الاتّصالات بشأن مستقبل الوجود الدوليّ في الجنوب، مع ترقّب زيارة وكيل الأمين العام للأمم المتّحدة لعمليّات السلام، جان بيير لاكروا، للبحث في ترتيبات المرحلة التالية لمهامّ "اليونيفيل". وفي الأثناء، لا تزال جولة المفاوضات العسكريّة المرتقبة في فلوريدا، في العشرين من تشرين الأوّل، معلّقةً على تثبيت موعدها رسميًّا من واشنطن، وسط توقّعاتٍ محدودة بإمكان تحقيق اختراقٍ سياسيّ قبل الانتخابات الإسرائيليّة. وتضع هذه المسارات لبنان أمام استحقاقٍ يتجاوز مسألة شكل القوّة الدوليّة المقبلة، إلى طبيعة الضمانات التي سترافق انتشار الجيش، ومدى قدرة الدولة على منع تحوّل الترتيبات المقترحة إلى صيغةٍ جديدة لإدارة الاحتلال بدل إنهائه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة