لبنان
سياسة

صراع الخاسرين: هل تفتت الوحدة الأرثوذكسية بسبب الأزمة الأوكرانية؟

النهار١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٥٨ ص0 مشاهدة
صراع الخاسرين: هل تفتت الوحدة الأرثوذكسية بسبب الأزمة الأوكرانية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "صراع الخاسرين: هل تخسر الأرثوذكسية وحدتها؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

عندما انعقد مجمع كريت عام 2016، كان يُؤمل أن يمثل بداية لمرحلة جديدة من العمل الأرثوذكسي المشترك. لكن الأزمة الأوكرانية لم تعد مجرد خلاف حول استقلال كنيسة محلية أو نزاع قانوني حول صلاحيات موسكو والقسطنطينية. لقد تحولت، في أقل من عقد، إلى مرآة لأزمة أعمق تطال العالم الأرثوذكسي بأسره، وتطرح أسئلة ملحة حول معنى الوحدة، وحدود الأولوية، ودور المجمعية، وعلاقة الكنيسة بالسياسة والقومية، ومستقبل العلاقات بين الكنائس المحلية.

ما عجزت الكنائس عن معالجته في مجمع كريت عاد ليظهر بصورة أكثر حدة في أوكرانيا. فخلال سنوات قليلة، انتقلت الأرثوذكسية من أزمة عدم القدرة على الاجتماع إلى أزمة عدم القدرة على البقاء معًا. بدأت القضية الأوكرانية باسم الوحدة، حيث قُدِّم منح الاستقلال كحل لإنهاء انشقاق طويل وإعادة توحيد الأرثوذكس في أوكرانيا. لكن النتائج جاءت مخالفة للتوقعات؛ فبدلًا من تقلص الانقسامات، اتسعت، وبدلًا من تعزيز الشركة بين الكنائس، شهد العالم الأرثوذكسي قطعًا للشركة وانقسامًا متزايدًا حول مفاهيم السلطة والشرعية والحدود الكنسية.

ولعل أخطر ما في هذه الأزمة أنها حولت الجميع إلى خاسرين. فالقسطنطينية نجحت في ترسيخ واقع كنسي جديد في أوكرانيا، لكنها دفعت ثمن ذلك جدلًا غير مسبوق حول حدود أوليتها وصلاحياتها، وواجهت تحفظات واعتراضات من عدد من الكنائس الأرثوذكسية. وفي المقابل، لم تخرج موسكو منتصرة؛ فقد خسرت جزءًا مهمًا من حضورها التاريخي في أوكرانيا، ودخلت في قطيعة كنسية مع القسطنطينية، ثم جاءت الحرب لتزيد الأزمة تعقيدًا، وتفتح نقاشًا أوسع حول علاقة الكنيسة بالدولة والمشروع السياسي والقومي.

أما أوكرانيا نفسها، التي كان يُفترض أن تكون المستفيد الأول من الاستقلال الكنسي، فلا تزال تعيش انقسامًا كنسيًا عميقًا، زادته الحرب تعقيدًا، وجعلته جزءًا من صراع سياسي وقومي ودولي يتجاوز حدود الشأن الكنسي. ولم تبقَ الكنائس الأخرى بمنأى عن الأزمة؛ فالحياد لم يمنع انتقال تداعياتها إليها، والصمت لم يعفها من الأسئلة التي فرضتها أوكرانيا حول الأولوية والمجمعية والاستقلال والولاية الكنسية. وما شهدته إستونيا وليتوانيا ومولدوفا وأفريقيا وغيرها يؤكد أن ما بدأ في أوكرانيا لم يبقَ محصورًا داخل حدودها.

لكن الخاسر الأكبر قد يكون المؤمن الأرثوذكسي العادي، الذي وجد نفسه أمام كنائس تتنازع الشرعية وتقطع الشركة، وقرارات متعارضة، وخطابات تدعي الوحدة فيما يتعمق الانقسام. وبينما ينتظر من الكنيسة أن تكون علامة للمصالحة والرجاء، يراها أحيانًا أسيرة الصراعات نفسها التي كان يفترض أن تساعد العالم على تجاوزها. وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الأزمة: اهتزاز الثقة بقدرة المؤسسات الكنسية على معالجة خلافاتها بروح الإنجيل ومنطق الشركة.

لقد كشفت السنوات الأخيرة أن المشكلة ليست في أوكرانيا وحدها، بل في غياب رؤية أرثوذكسية مشتركة لإدارة الخلافات الكبرى. فالكنائس لا تزال تختلف حول مفهوم الأولوية، وحدود السلطة، وآليات منح الاستقلال، وكيفية معالجة الانشقاقات، ولا يوجد حتى اليوم إطار مجمعي فاعل قادر على إنتاج حلول تحظى بقبول أرثوذكسي واسع. لكن الأزمة كشفت شيئًا أعمق من ضعف الآليات، وهو ضعف الإرادة المجمعية نفسها. فالمجمعية ليست مجرد اجتماع عند الضرورة أو آلية لتوزيع الصلاحيات، بل هي ثقافة كنسية تقوم على الاستعداد للإصغاء، وقبول الآخر كشريك، وتقييد ممارسة السلطة من أجل الشركة، وتقديم وحدة الكنيسة على الاعتبارات القومية وحسابات النفوذ.

وهذا يضع الكنيسة كلها أمام سؤال أكثر جذرية من الأسئلة القانونية والتاريخية. المشكلة ليست أن يكون للكنيسة موقف من قضايا شعوبها أو أن تنعزل عن التاريخ والسياسة والمجتمع، فالكنيسة تعيش في العالم. المشكلة تبدأ عندما تنجح السياسة في إقناع الكنيسة بأن معارك الدول والقوميات ومناطق النفوذ هي معاركها، وأن انتصار هذا المحور أو ذاك انتصار لها، وأن الجغرافيا السياسية يمكن أن تصبح معيارًا لرسم الجغرافيا الكنسية. عندها يصبح السؤال الأليم: ماذا لو كان الجميع، وهم يدافعون عن حقوق كنسية، قد سمحوا تدريجيًا للسياسة بإعادة تعريف القضية نفسها؟ ماذا لو أصبح الانتصار في النزاع أهم من استعادة الأخ، وتثبيت الصلاحية أهم من حفظ الشركة، وإثبات الحق التاريخي أهم من البحث عن الطريق الذي يبقي الكنيسة واحدة؟

هنا يظهر المعنى الأعمق لـ"صراع الخاسرين". فالقسطنطينية قد تثبت صلاحية، وموسكو قد تحافظ على نفوذ، وكنيسة قد توسع حضورها. لكن كل هذه المكاسب تصبح ضئيلة إذا كان الثمن هو فقدان الأرثوذكسية قدرتها على الاجتماع والصلاة والحوار واتخاذ القرار معًا. الخسارة الحقيقية لا تبدأ بخسارة أرض أو ولاية، بل عندما يصبح الآخر الأرثوذكسي خصمًا بدلًا من أن يكون أخًا. إذا كان "المسيح وحده القضية"، تصبح الأولية والمجمعية والاستقلال وسائل في خدمة وحدة جسده، لا غايات قائمة بذاتها. ويصبح القانون الكنسي وسيلة لحفظ الشركة لا سلاحًا في معركة النفوذ، وتصبح الأولية خدمة للوحدة لا امتيازًا للسلطة.

إن الخروج من الأزمة لا يبدأ بتسوية أوكرانية أو تعريف جديد للأولوية، بل باستعادة السؤال الذي ضاع وسط النزاع: ما القضية التي من أجلها توجد الكنيسة أصلًا؟ فإذا كانت القضية هي المسيح، يمكن عندها إعادة ترتيب بقية القضايا. أما إذا أصبحت السياسة والقومية والنفوذ والحدود والذاكرة التاريخية هي القضايا، فلن تكفي أفضل النصوص القانونية لإنقاذ الوحدة. إن مستقبل الأرثوذكسية لن يتحدد بما تكسبه هذه البطريركية أو تلك، بل بقدرتها على استعادة الثقة المتبادلة، والشركة الكنسية، والإرادة المجمعية، والشهادة المشتركة للإنجيل. حين تصبح السياسة قضية الكنيسة بدلًا من أن يبقى المسيح قضيتها، يكون الجميع قد خسروا.

شارك الخبر: