رفات سليمان الحلبي: دعوات متجددة لإعادتها إلى سوريا وتصحيح مسار التاريخ


هذا الخبر بعنوان "رفات سليمان الحلبي:صارت ممكنة إعادتها لسوريا..وتصحيح التاريخ" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد أكثر من قرنين على إعدام سليمان الحلبي في القاهرة، لا يزال هيكله العظمي وجمجمته محفوظين في مجموعات متحف الإنسان بباريس، التابع للمتحف الوطني الفرنسي للتاريخ الطبيعي. هذه الحقيقة تعيد إلى الواجهة قضية تاريخية وإنسانية تتعلق بحق الموتى في الدفن الكريم، وبمسؤولية المؤسسات الثقافية عن المقتنيات البشرية التي انتقلت إليها في سياقات الحروب والاحتلال، وبحق المجتمعات في استعادة تاريخها ورموزها.
تكتسب المطالبة باستعادة رفات سليمان الحلبي أهمية خاصة في الذاكرة السورية والمصرية، وتعيد إحياء الدعوة التي أطلقها مثقفون ومؤرخون سوريون قبل نحو عشرين عاماً، ثم انضم إليها الروائي السوري الراحل خيري الذهبي عام 2011، مطالباً بإعادة الجمجمة والرفات إلى موطن صاحبهما. اليوم، نجدد دعوة الذهبي، مستندين إلى التحولات التي شهدتها النقاشات الدولية حول المقتنيات البشرية في المتاحف، وإلى التطورات القانونية الفرنسية التي فتحت مساراً جديداً لإعادتها إلى مجتمعاتها الأصلية.
ولد سليمان الحلبي، ذو الأصول السورية الحلبية، عام 1777 في قرية كوكان بمنطقة عفرين في ريف حلب، ونشأ في أسرة كردية، ثم انتقل إلى القاهرة للدراسة في الأزهر. هناك، عاصر الحملة الفرنسية على مصر التي بدأت عام 1798 بقيادة نابليون بونابرت، وشهد الصدامات العسكرية وانتفاضات المصريين ضد الوجود الفرنسي. وفي 14 يونيو 1800، قتل الحلبي الجنرال جان باتيست كليبر، قائد القوات الفرنسية في مصر، في حادثة أصبحت من أبرز الوقائع السياسية والعسكرية المرتبطة بتلك الحملة. أُلقي القبض على الحلبي، وخضع للتحقيق والتعذيب، ثم حكمت عليه محكمة عسكرية فرنسية بالإعدام. وفي 17 يونيو 1800، نُفذ الحكم بإحراق يده اليمنى والخوزقة، وهي من أشد وسائل الإعدام قسوة في تلك الحقبة. وثق الطبيب العسكري الفرنسي دومينيك جان لاري تفاصيل ما تعرض له الحلبي، ثم ارتبط اسمه بالمصير اللاحق للرفات.
مع انسحاب القوات الفرنسية من مصر عام 1801، نُقل الهيكل العظمي إلى فرنسا، وأُودع ضمن المجموعات العلمية في باريس. وفي عام 1806، سُلّم إلى عالم الطبيعة الفرنسي جورج كوفييه لأغراض الدراسة، ثم تنقل بين مجموعات التشريح والأنثروبولوجيا، إلى أن استقر في متحف الإنسان الذي تأسس عام 1937. خلال القرن التاسع عشر، ارتبط عرض جمجمة الحلبي بنظريات كانت تزعم إمكانية استنتاج الصفات الأخلاقية والميول الإجرامية من شكل الجمجمة. وقد استُخدمت رفاته في سياق هذه التصنيفات، التي ساهمت في صناعة صورة نمطية عن الإنسان القادم من الشرق. سجل المؤرخ السوري شاكر مصطفى مشاهداته في متحف الإنسان بباريس، مشيراً إلى وضع جمجمة الحلبي تحت عبارة "جمجمة مجرم"، في مقابل جمجمة الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت التي ارتبطت بعبارة "جمجمة عبقري".
تكشف هذه المقارنة جانباً أساسياً من القيمة المعنوية للقضية؛ فقد تحولت البقايا البشرية إلى وسيلة لإنتاج أحكام ثقافية وأخلاقية، ضمن سياق تاريخي ارتبط بعلاقات القوة والهيمنة الاستعمارية. وتحمل استعادتها اليوم معنى تصحيح هذه العلاقة، وإعادة قراءة الوثائق والممارسات التي أنتجتها، وإقرار حق المجتمعات المعنية في المشاركة في تحديد مصير رفات أبنائها.
بدأ الاهتمام السوري المنظم باستعادة الرفات قبل نحو عشرين عاماً، عندما انطلقت عام 2006 حملة شعبية لجمع التوقيعات والمطالبة بإعادة جمجمة سليمان الحلبي وهيكله العظمي من فرنسا. شارك في هذه المبادرة مؤرخون وكتاب ومثقفون، من بينهم الصحافي هاني الخير والكاتبة بيانكا ماضية، واستعادت الحملة أفكار المؤرخ شاكر مصطفى الذي تناول القضية في كتاباته منذ عقود سابقة. وفي مطلع عام 2011، أعاد الروائي خيري الذهبي طرح المطالبة في مقال حمل عنوان "أعيدوا شهيدنا إلينا"، ونقلت وكالة فرانس برس موقفه الداعي إلى استعادة الرفات وإنهاء ما اعتبره ظلماً تاريخياً. أسهم موقفه في توسيع النقاش حول مسؤولية فرنسا الأخلاقية والتاريخية عن مصير رفات الشاب الحلبي، وحول دور المؤسسات السورية في متابعة القضية عبر القنوات الرسمية.
تتجاوز أهمية استعادة الرفات القيمة الرمزية لشخصية سليمان الحلبي. فالقضية تتعلق بمبدأ احترام الكرامة الإنسانية بعد الموت، وبالتعامل مع الرفات البشرية وفق معايير أخلاقية تتقدم فيها حقوق المجتمعات المعنية وطقوسها الجنائزية على الاعتبارات المتحفية التقليدية. كما تحمل الاستعادة قيمة ثقافية تتمثل في إعادة ربط السيرة التاريخية لصاحب الرفات بمكان نشأته وبيئته الاجتماعية، وقيمة معرفية تتصل بدراسة كيفية كتابة التاريخ أثناء الاحتلال وكيفية انتقال آثار الحروب إلى مجموعات المتاحف الأوروبية.
طرأت تطورات علمية وقانونية تمنح هذه المطالبة أساساً عملياً جديداً. ففي عام 2023، نُشرت دراسة في مجلة الطب الشرعي Legal Medicine تناولت الهيكل العظمي المحفوظ باسم سليمان الحلبي، ورصدت آثاراً عظمية تتفق مع طريقة إعدامه التاريخية. تمنح هذه الدراسة ملف الاستعادة مادة علمية إضافية يمكن الاستناد إليها في إجراءات التوثيق والتحقق من الهوية. وفي ديسمبر من العام نفسه، أقرت فرنسا قانوناً يتيح إعادة الرفات البشرية المحفوظة في مجموعاتها العامة إلى دول المنشأ لأغراض جنائزية، بناءً على طلب رسمي ومعايير تتعلق بالهوية والكرامة الإنسانية وظروف الحصول عليها. شهد عام 2025 تسليم ثلاث جماجم من المجموعات الفرنسية إلى مدغشقر، في خطوة تؤكد وجود مسار قانوني قابل للتطبيق.
تفتح هذه التطورات المجال أمام مبادرة سورية جديدة، تشارك فيها الجهات الرسمية المختصة والمؤسسات الثقافية والبحثية، بالتنسيق مع الجانب الفرنسي، وبالتشاور مع المعنيين في مصر ومع أقارب الحلبي وممثلي مجتمعه المحلي عند التحقق من صلاتهم بالقضية. يمكن أن تتضمن المبادرة طلباً رسمياً لاستعادة الرفات والجمجمة، والحصول على ملفهما المتحفي الكامل، ومراجعة الوثائق المتعلقة بنقلهما وحفظهما، وتشكيل لجنة علمية مشتركة لاستكمال إجراءات التوثيق والتسليم. تبرز هنا ضرورة مطالبة وزارتي الثقافة السورية والمصرية بالعمل على استعادة الرفات عبر الطرق الرسمية، وتكريم سليمان الحلبي باعتباره واحداً من أشهر المقاومين للاحتلال في البلدين. وترتبط أهمية هذه الخطوة أيضاً بالمكان الذي ستعود إليه الرفات، وبالطريقة التي ستُصان بها كرامة صاحبها. ويمنح دفنها في أرض مولده، وفق الإجراءات المتفق عليها مع ذوي الصلة، القضية خاتمة إنسانية تليق بمسار تاريخي امتد أكثر من مئتين وستة وعشرين عاماً.
إن تجديد دعوة المثقفين السوريين اليوم يمثل امتداداً لجهود ثقافية سورية بدأت قبل عقدين، وأصبحت تمتلك سنداً علمياً وقانونياً أوضح. وتندرج استعادة رفات سليمان الحلبي ضمن مسؤولية أوسع عن صون الذاكرة التاريخية السورية، وتوثيق آثار الحروب والاحتلال، وتعزيز العدالة في التعامل مع المقتنيات البشرية المحفوظة خارج مجتمعاتها الأصلية. وتبقى القيمة الأعمق لهذه الاستعادة في انتقال سليمان الحلبي من سجلات التصنيف المتحفي التي فرضتها حقبة استعمارية، إلى ذاكرة تاريخية تُقرأ في سياقها الكامل، وفي انتقال رفاته من مستودعات باريس إلى الأرض التي شهدت بدايات حياته، بما يحفظ كرامته ويضع نهاية لمسار تاريخي طال انتظاره.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
صحة