المجلس الدستوري يثير جدلاً واسعاً حول قانون العفو العام: تحرك نيابي سني لحماية التشريع


هذا الخبر بعنوان "انقلاب "الدستوري" على العفو العام: تحرّك سنّي لحماية التشريع" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يهدأ المشهد السياسي والنيابي في بيروت أمام القرار الأخير الصادر عن المجلس الدستوري بشأن قانون العفو العام وتخفيض العقوبات. فقد قرأت أطراف نيابية عدة، لا سيما في صفوف النواب السنّة، في القرار الذي تضمّن «تحفّظات تفسيرية ملزمة»، خطوة تتجاوز حدود الرقابة على دستورية القوانين لتلامس إعادة صياغة التشريع والانتقاص من الغاية السياسية والاجتماعية التي أُقرّ لأجلها. وفي هذا السياق، شهد المجلس النيابي، يوم الاثنين، تحركاً اعتراضياً تمثّل في اجتماع طارئ ضمّ 16 نائباً سنياً. لم يقتصر الهدف على التعبير عن الاعتراض على مسار القانون، بل امتدّ إلى وضع خطة تحرك تشمل الرئاسات الثلاث والجهات القضائية، رفضاً لما وصفه النواب بمصادرة صلاحيات المجلس النيابي والالتفاف على إرادة المشرّع.
تفاهمات قضائية وسياسية
لم يبقَ التحرك في إطار الموقف النيابي الرافض لقرار المجلس الدستوري، بل انتقل إلى لقاءات مباشرة مع المراجع السياسية والقضائية المعنية بتطبيق القانون. وفي هذا السياق، زار وفد من النواب السنّة رئيس الحكومة نواف سلام، والتقى أيضاً النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، لبحث تداعيات القرار وآليات تطبيق قانون العفو العام. وفي حديث إلى «المدن»، وصف النائب أشرف ريفي الأجواء التي سادت الاجتماعين بأنها «إيجابية جداً»، مشيراً إلى أن النقاشات أفضت إلى التوجه نحو إصدار تعميمين قضائيين لمعالجة الإشكاليات المرتبطة بتطبيق القانون. وأوضح ريفي أن التعميم الأول يتصل بالأحكام الصادرة بالإعدام، على أن تُخفّض إلى عقوبة المؤبد، بما يعني، وفق شرحه، احتساب العقوبة على أساس 17 سنة سجنية بدلاً من 28 سنة. أما التعميم الثاني، فيتعلق بجرائم المخدرات، على ألا يقتصر نطاقه على الأحكام المبرمة، بل يشمل أيضاً الملاحقات القضائية المرتبطة بهذه الجرائم. وبحسب ريفي، فإن التوجه يقضي بإعادة صياغة التعاميم القضائية بما ينسجم مع روح القانون والغاية التي وضعها المشرّع، بعيداً مما وصفه بـ«البدع» التي اعتمدها المجلس الدستوري. ويضع هذا المسار مسألة تطبيق القانون في واجهة المرحلة المقبلة، بانتظار صدور التعميمين وتبيان الصيغة النهائية التي سيعتمدانها.
في البعد السياسي، أشار ريفي إلى أن مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، ساهمت في تخفيف حدة الاحتقان السنّي الشيعي الذي سبق للنواب أن حذّروا من تداعياته. ويعكس ذلك، وفق مقاربة النواب، أهمية معالجة الملف من خلال المؤسسات الدستورية والقضائية، تفادياً لتحوّله إلى نقطة توتر سياسي ومذهبي جديدة.
خلل يستوجب التصحيح
في تصريحات خاصة بـ«المدن»، تناولت القوى النيابية المشاركة خلفيات التحرّك وأهدافه. إذ يرى النائب أحمد الخير أن قرار المجلس الدستوري ينطوي على خلل جوهري يستوجب المعالجة، لكونه، بحسب قراءته، حرم الموقوفين الإسلاميين من الإنصاف الذي قصده القانون الأصلي. ويشكّل هذا الاعتراض محوراً أساسياً في الاتصالات التي يجريها النواب مع المراجع السياسية والقضائية. من جانبه، أشار النائب بلال الحشيمي لـ«المدن» إلى أن النقاشات النيابية تركّزت على محورين رئيسيين: الأول يرتبط بحدود صلاحيات المجلس الدستوري ومدى مشروعية تدخّله في تفسير النص التشريعي، والثاني بالآلية الكفيلة بصون إرادة المشرّع وضمان تطبيق القانون وفق الغاية التي أُقرّ من أجلها. ولفت إلى أن القوى المعنية تتابع نتائج اتصالاتها لتحديد خيارات المرحلة التالية.
حقوق الإنسان والبعد الطائفي
لم يخلُ الاجتماع من البعد الحقوقي والسياسي الأوسع. فقد وضعت النائبة بولا يعقوبيان مشاركتها في إطار الواجب النيابي والحقوقي الجامع، رافضةً حصر قضايا حقوق الإنسان في زاوية طائفية أو مذهبية ضيقة، وداعيةً البرلمان بكل مكوّناته إلى تحمّل مسؤولياته في هذا الملف، بدلاً من اقتصار التحرك على ممثلي الطائفة السنّية. في المقابل، أعاد النائب أشرف ريفي التأكيد، عبر «المدن»، على ضرورة معالجة ملف العفو العام انطلاقاً من مبدأ رفع المظلومية عن الفئات التي وُضع القانون لأجلها أساساً، محذراً من الالتفاف على هذا الاستحقاق تحت ذرائع مختلفة. كما شدّد على أن استحضار المخاوف الأمنية كلما عاد الملف إلى الواجهة لا ينبغي أن يحول دون البحث الجدي في حقوق الموقوفين والمحكومين المشمولين بالقانون. وبحسب ريفي، فإن الحفاظ على التوازن داخل مؤسسات الدولة يقتضي مقاربة الملف بعيداً من الحسابات السياسية، بما يضمن معالجة الاعتراضات القائمة وعدم استمرار الشعور بالغبن لدى الفئات المعنية، من دون تجاهل مقتضيات العدالة والأمن.
سابقة خطيرة ومسار لتطويق التداعيات
عقب الاجتماع، بدا واضحاً أن النواب يعتبرون أنفسهم أمام إشكالية قانونية وسياسية تتجاوز حدود تفسير مواد محددة في قانون العفو العام. وفي هذا الصدد، أشار النائب بلال عبدالله إلى أن الرهان النيابي كان يتجه نحو إقفال ملف تخفيض العقوبات والعفو العام بعد إقرار القانون في البرلمان، قبل أن يعيد قرار المجلس الدستوري القضية إلى دائرة السجال المفتوح. ولفت عبدالله إلى أن القرار التفّ، بحسب تعبيره، على حصيلة عشرات الجلسات النيابية الماراتونية، معتبراً أن التعديلات التي طاولت مقصد المشرّع تمثّل سابقة قانونية خطيرة وتعدياً على صلاحيات البرلمان. وتكمن الإشكالية، وفق موقفه، في أن القرار مسّ بالغاية الأساسية للقانون، والمتمثلة في معالجة ملف الموقوفين الإسلاميين وإنهاء ما تعتبره قوى سياسية واجتماعية سنّية مظلومية متراكمة تعود إلى مرحلة الوصاية السورية وما تلاها. أما على مستوى الخطوات العملية، فقد حدّد عبدالله مسار التحرك بالتواصل مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، إلى جانب زيارة النائب العام التمييزي، بالتوازي مع المطالبة باستكمال التعيينات في المجلس الدستوري، عبر انتخاب خمسة أعضاء جدد وتعيين خمسة آخرين من جانب الحكومة.
جذور الأزمة ورسائل الشارع
على الخط القضائي والسياسي، يعكس تحرك النواب حجم الاعتراض على ما يعتبرونه مساساً بالغاية التي أُقرّ قانون العفو العام وتخفيض العقوبات لتحقيقها. لكن خلفية الخلاف تتجاوز الشكل القانوني، إذ يمثّل ملف الموقوفين الإسلاميين لدى قطاعات من الشارع السنّي قضية مرتبطة بإحساس متراكم بالغبن، وبمحطات أمنية وقضائية لا تزال حاضرة في النقاش السياسي. وكان البرلمان قد أقرّ القانون رقم 70 لعام 2026، المتعلق بمنح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بصورة استثنائية، في محاولة لمعالجة ملفات قضائية متعددة ضمن تسوية تشريعية. إلا أن قرار المجلس الدستوري الصادر في 12 تشرين الأول، وما تضمّنه من إبطال جزئي وتحفّظات تفسيرية ملزمة، أعاد فتح النقاش بشأن نطاق الجرائم المشمولة بالعفو وحدود تطبيق أحكام القانون. وفي ضوء التحرك النيابي واللقاءات التي عُقدت اليوم، يتجه الاهتمام إلى مضمون التعميمين القضائيين المرتقبين، ومدى قدرتهما على معالجة النقاط التي أثارت اعتراض النواب، ولا سيما في ما يتصل بالأحكام الصادرة بالإعدام وملفات جرائم المخدرات والملاحقات المرتبطة بها. وبين اعتراض نيابي على حدود صلاحيات المجلس الدستوري ومساعٍ قضائية لتحديد آليات التطبيق، يبقى الاختبار الأساسي في قدرة المؤسسات على تنفيذ القانون بما يراعي النص التشريعي والغاية التي أُقرّ من أجلها، ويمنع انتقال الخلاف من إطاره القانوني إلى مواجهة سياسية ومذهبية أوسع.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة