تنويه
هذا الخبر بعنوان "فرنسا تتعرّف على "جيل نائل"" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تراجعت صورة تلامذة الثانويات ومعها لوائح مطالبهم، ليس لأن حراكهم توقف، بل لأن الأيام الثلاثة المرتقبة لتظاهرات في أنحاء المدن الفرنسية، السبت 24 تشرين الأول الجاري، والثلاثاء 3 والخميس 5 تشرين الثاني، أُعلنت باسم قضيتهم التي انضمت اليها النقابات العمالية والمهنية و"السترات الصفراء" وغيرها. لكن فرنسا، منذ السبت 17 تشرين الأول، تتعامل مع صدمتها وتضمّد جراحها: ثلاثة آلاف مؤسسة تجارية وسياحية، على الأقل، تعرضت للتخريب والسرقة، ما زالت الدولة المُنهكة اقتصادياً تفكر في سبل التعويض عليهم، ناهيك عن مواطنين مروّعين مُحاصرين في بيوتهم التي حاول متمردون اختراق بواباتها، وممتلكاتهم المحروقة أو المكسرة من سيارات ودراجات، ومئات الإصابات في صفوف الشرطة والمحتجين والمخرّبين على حد سواء.
تقهقرت مشهدية المَسيرات الطلابية السلمية إلى خلفية الشاشات، رغم أن عناوينها ما زالت تحظى بالتعاطف. لكن استباحة المتاجر ومباني البلديات ومقرات الشرطة، في باريس وليون وليموج ومرسيليا... صُور العنف والفوضى، الحروب الأهلية الصغيرة، طغت على كل شيء آخر. صادَر "أبطالها" الحراك الطلابي والمعيشي. انتهازيون تطفلوا على احتجاجات ومَطالب مشروعة بعنف عصاباتي، مثيرين الخوف والغضب والحزن، بالإضافة إلى تساؤلات جمّة: مَن هم هؤلاء؟ لماذا يفعلون ذلك؟ لماذا يحملون أعلاماً غير فرنسية؟ لماذا كل هذا الحقد؟ أليسوا فرنسيين، ولو كجيلٍ ثانٍ أو ثالث؟ ألسنا مثلهم نعاني الغلاء، وأبناؤنا مثلهم يضغطون على السلطة من أجل ظروف أفضل للتعليم والتقاعد وأزمة المحروقات؟ وهل صحيح ما نسمعه عن أن فرنسا التي تستقطب، على مدار العام، سيّاح الجمال والتاريخ ومقاهي الرصيف والحدائق، تستقطب الآن سياحة "ثورية" من أنحاء أوروبا بالزيّ كامل السواد وخبرات الشغب؟
فرنسا معتادة على التحركات الاجتماعية والعمالية والطلابية. الشارع جزء من الحياة السياسية الفرنسية التي لا يخلو تاريخها من العنف. ولا يعتز الفرنسيون بشيء قدر اعتزازهم بديموقراطيتهم وفاعليتهم فيها، حزبياً ونقابياً وفردياً، مجتمع يقدس حرية التجمّع والتعبير. لكن المسؤولين السياسيين والأمنيين وحتى قيادات الأحزاب بيمينها ويسارها، يعترفون: ما رأيناه هذه المرة غير مسبوق، لقد فوجئنا بحجم ما شهدنا وهَوله. والحال إن المفاجأة والعجز عن الفهم الكامل لما جرى ويجري، يرتبط أيضاً بجهل شبه كامل لهؤلاء الذين يكسرون واجهات المحلات، يسرقونها، ويبحثون في الانترنت عن طرق صناعة المولوتوف فيما يفرقعون الألعاب النارية سلاحاً شوارعياً. دخلت على خط الاحتجاجات عصابات الأحياء والضواحي وتجار المخدرات، ولصوص صغار أغراهم "التسوق" المجاني (بل إن بعض الفتيات دخلن المتاجر المشهمة وأخذن وقتهن في تجربة الثياب والاكسسوارات واختيار الألوان والمقاسات حتى الساعات الأولى من فجر الأحد 18 أكتوبر!). بالإضافة إلى مجموعات اليسار المتطرف و"بلاك بلوك" (أو الكتلة السوداء، وهي أسلوب احتجاجي ترتدي فيه مجموعات من المتظاهرين ملابس سوداء وغالباً ما يغطّون وجوههم لإخفاء هوياتهم. وترتبط هذه المجموعات أساساً بالحركات الأناركية والمناهضة للرأسمالية، ويشارك بعض أفرادها في أعمال صِدامية، بما في ذلك التخريب والاشتباكات مع الشرطة التي تعتبرها عدوتها، إلى جانب المؤسسات.. وهي ليست منظمة واحدة دائمة، بل أسلوباً تلجأ إليه مجموعات مختلفة خلال التظاهرات).
هذا جانب من الموزاييك المعقّد، يرفده تفسير اقتصادي يشرح أزمة دولة ما زالت رعائية إلى حد كبير مقارنةً بجيرانها الأوروبيين، ينهشها الدَّين العام وكلفة القطاع العام الضخم والتقديمات الاجتماعية، في عالم تُغيّره العولمة والحروب. لكن تفكيك الصورة هنا يبقى ناقصاً إذا ما أغفل مشكلة اندماج المهاجرين في المجتمع الفرنسي وثقافته وقوانينه. وأكثر الظواهر المرئية لذلك، كان رفع أعلام الجزائر وفلسطين خلال التظاهرات وأعمال التخريب على حد سواء. فالمَسيرة السلمية في 17 أكتوبر 2026، والتي تحولت عصراً وحتى ما بعد منتصف الليل، إلى غزوة موصوفة، تزامنت مع ذكرى "مجزرة باريس" في 17 أكتوبر1961، عندما قمعت الشرطة بعنف شديد، تظاهرات مناصرة للجزائر في فرنسا، خلال حرب استقلال الجزائر (1954-1962). أما فلسطين، وتحديداً غزة، فما زالت جرحاً مفتوحاً منذ 7 أكتوبر2023. ورغم عدالة القضيتَين التاريخيتَين المغروستَين في الوجدان العربي والإسلامي وحتى اليساري الغربي، فإن رفع هذه الأعلام في خضم احتجاجات مطلبية، معيشية وطلابية لا علاقة لها بأي منهما، يبدو أقرب إلى استحضار هوية منه إلى مناصرة وموقف، ويحيل مجدداً إلى سؤال الاندماج بعد جيلَين أو ثلاثة، ومَن المسؤول عن فشله الجزئي أو الكامل: الدولة؟ المهاجرون أنفسهم؟ الإيديولوجيا؟ الدِّيْن؟ الفوارق الطبقية؟ أم أنها خلطة كل شيء؟
وبعد... ليس تفصيلاً بلا دلالة أن نصف الشبان الموقوفين خلال الأسبوع الماضي، أو أكثر، لا سجلات لهم لدى الشرطة. ليسوا معروفين للسلطات. لاعبون جدد بالنار والهويات والمظلوميات. يستخدم عالِم الجريمة الفرنسي، آلان باور، تعبير "جيل نائل" لوصف جيل صاعد من الشباب، برز غضبه وشعوره بالإقصاء وتشاؤمه بشأن المستقبل، بشكل خاص، خلال أعمال الشغب التي أعقبت مقتل نائل مرزوق (17 عاماً) على يد الشرطة في حزيران/يونيو 2023. هؤلاء يتوزعون على الأرجح في صفوف المخرّبين بتنويعاتهم. ولا يقتصر تحليل باور على أن الشباب أصبحوا أعنف، بل يرى في أعمال الشغب تحذيراً من أزمة اجتماعية وسياسية أعمق. فهذا جيل لم يعد يؤمن بالمستقبل، شبان وشابات يشعرون بأن فرصهم ضئيلة في عيش حياة أفضل من حياة آبائهم وأمهاتهم. وبدلاً من الاستثمار في التعليم والعمل والخطط طويلة الأمد، يتبنى بعضهم نظرة "لا مستقبل"، فهم يريدون أن يعيشوا الحاضر بكثافة، فيما يبقى فقدان الأمل مصدراً رئيسياً للإحباط والغضب. لكن مقتل نائل كان شرارة، ولا يقدم التفسير الكامل، إذ لا يمكن فهم أعمال الشغب العام 2023 باعتبارها مجرد ردّ فعل على موت نائل، لكن مقتله أصبح حافزاً لتظهير مَظالم كانت موجودة أصلاً، وها هي تظهر مجدداً في 2026. ويشدد باور على أن بعض الشباب انضم إلى الاضطرابات من دون معرفة تفاصيل الحادثة، أو من دون أن يكون تحركهم بالضرورة نابعاً من إحياء ذكرى نائل في 2023 أو التضامن مع الطلاب و"السترات الصفراء" في 2026. القضية الأوسع، في رأيه، هي عداء سابق للشرطة ومؤسسات الدولة. ويميّز باور أيضاً بين الشباب الغاضب، ومثيري الشغب المنظّمين، فيحذّر من التعامل مع الشباب المحتجين كمجموعة واحدة. فمن جهة، هناك الشباب الذي يشعر باليأس والقلق وبأن أحداً لا يصغي إليه، وقد ينجذب إلى العنف. ومن جهة ثانية، هناك مجموعات صغيرة تنخرط عمداً في أعمال التخريب، وقد تضم أحياناً أشخاصاً أُقصوا من المدارس أو مرتبطين بشبكات الإتجار بالمخدرات. ويشكّل هذا التمييز محوراً أساسياً: إذ يمكن للغضب الاجتماعي الحقيقي، والعنف الإجرامي المتعمّد، أن يتعايشا، لكنهما ليسا الظاهرة نفسها.
يرى باور أن أحداث 2023، شكّلت نقطة تحوّل. ففي رأيه، لم يختفِ الغضب بانتهاء أعمال الشغب، بل ظل كامناً، ويمكن أن يظهر مجدداً في احتجاجات لاحقة، وهذا ما يحصل بالفعل في شوارع فرنسا راهناً. كما يشير إلى تنامي رفض هؤلاء الشباب المؤسسات، بما فيها الشرطة والمدارس والدولة. أما وسائل التواصل الاجتماعي، فلعلها تضخّم الغضب، لكنها لا تخلقه، يقول باور، إذ يمكنها نشر، أو حتى تنظيم النزعات العنيفة وزيادة حدّتها، لا سيما من خلال التحديات المتداولة عبر الإنترنت من قبيل "إحرق ثانويتك"، أو عرض بضائع مسروقة للبيع من دون خجل أو تردد في إضافة وسم "17 أكتوبر". والحال إن التقاعس السياسي يهدّد بتفاقم المشكلة، فيوجّه باور أشد انتقاداته إلى القادة السياسيين الذين يتعاملون مع الاضطرابات باعتبارها حادثة مؤقتة، ثم ينتقلون إلى قضايا أخرى من دون معالجة الأسباب. ويرى أن عدم الاستجابة لمظالم الشباب قد يؤدي إلى مزيد من العنف. ويشمل الرد الذي يقترحه إعادة بناء الخدمات العامة، والإصغاء إلى الشباب، وفتح قنوات للحوار، مع ضمان احتواء العنف من دون أن يكون عمل الشرطة الردّ العملي الوحيد على الأرض. غير أن الواقع الحالي للدولة الفرنسية يتحدى النظرية هذه، أو أنها هي تتحداه، فيما البلاد على مسافة ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، وهي غارقة في مشاكل مالية واستعصاء سياسي وبرلماني وحكومي، في ظل انتفاء الغالبية لأي حزب أو تحالف بعد الانتخابات النيابية الأخيرة العام 2024. وفي مناخ من الترقّب والحيرة والصراعات، تُناقش فرنسا بكُلّيتها، الخطوات التالية، عبر الإعلام، كما في مقر رئاسة الحكومة...والشارع.
أخبار ذات صلة
سياسةطهران تعرض مجسماً لترامب في زنزانة كرسالة مناهضة لأمريكا
سياسةوزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار يبحث مع سفير مصر سبل تعزيز التعاون الأمني المشترك
سياسةواشنطن تحول استراتيجيتها ضد إيران: تركيز على العقوبات الاقتصادية والحصار البحري بدلاً من الضربات العسكرية
سياسة
