لبنان
سياسة

أوروبا على مفترق طرق: هل تتجه نحو ربيع شعوب جديد أم خريف سياسي؟

النهار٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٣:١٨ ص0 مشاهدة
أوروبا على مفترق طرق: هل تتجه نحو ربيع شعوب جديد أم خريف سياسي؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أشباح 1848 تحوم فوق «القارة العجوز»" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد مرور حوالي 178 عاماً، يتجدد التساؤل في أوروبا حول مستقبلها، ولكن في سياق أكثر تعقيداً: هل تتجه القارة نحو موجة جديدة من انتفاضات الشعوب، أم أنها تنزلق نحو خريف سياسي تتآكل فيه الثقة بالمؤسسات وتتسع فيه الفجوة بين الوعود الديمقراطية وقدرة الدولة على حماية مواطنيها؟

تتزامن الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا ومدن أوروبية أخرى مع تزايد المخاوف من تكرار أحداث عام 1848، المعروفة بـ "ربيع الشعوب". فهل ما يحدث مجرد موجة احتجاجات متفرقة، أم أنه يعكس تحولات أعمق في موازين القوى والثروة، مدفوعة بتسارع التحولات التكنولوجية، وتترك آثاراً مشابهة لتلك التي أحدثتها التحولات الاقتصادية والاجتماعية في القرن التاسع عشر على حياة الناس وقلقهم من المستقبل؟

لم يكن "ربيع الشعوب" عام 1848 مجرد سلسلة من الانتفاضات العابرة، بل كان لحظة تاريخية كشفت عن هشاشة الأنظمة التي لم تعد قادرة على استيعاب التناقضات المتزايدة داخل مجتمعاتها. آنذاك، تداخلت أزمات الخبز والبطالة مع المطالب الدستورية والقومية، مما أشعل شرارة الثورة من باريس إلى عواصم ومدن أوروبية أخرى، ووضع شرعية الملكيات القائمة أمام اختبار حقيقي.

اليوم، ورغم أن الاحتجاجات الحالية في فرنسا ومدن أوروبية أخرى قد لا ترقى إلى مستوى ثورة قارية موحدة، إلا أن تزامن الغضب الاجتماعي مع أعباء الحروب والديون والتضخم والاستقطاب السياسي الحاد بين اليمين واليسار يكشف عن أزمة أوسع. إنها أزمة تتعلق بتحديد مستقبل أوروبا ورؤية مواطنيها لها، ومدى قدرة نموذجها السياسي والاقتصادي على الصمود في عالم تتزايد فيه أهمية اعتبارات القوة والأمن على حساب الرفاه والاستقرار الاجتماعي.

لم تعد أوروبا بمعزل عن محيطها الدولي في مواجهة أزماتها الداخلية. فالحرب الروسية الأوكرانية أعادت الأمن العسكري إلى صدارة الأولويات، مما دفع دولاً لزيادة إنفاقها الدفاعي. كما أن المواجهة مع إيران أعادت تداعيات الصراعات الإقليمية إلى حسابات الطاقة والتجارة والأمن.

وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بلغ الإنفاق العسكري في أوروبا عام 2025 حوالي 864 مليار دولار، بزيادة قدرها 14% عن العام السابق. يعكس هذا الارتفاع التحول الكبير الذي أحدثته البيئة الأمنية الجديدة في حسابات الحكومات الأوروبية.

تكمن إحدى مفارقات المرحلة الحالية في أن الدول التي تطالب مواطنيها بتحمل أعباء مالية إضافية باسم الأمن القومي، تجد نفسها مطالبة أيضاً بإقناعهم بأن أمنهم الاجتماعي لن يكون الثمن الذي يدفعونه مقابل أمن الحدود والتحالفات. ومع أي تصعيد عسكري يرفع أسعار الطاقة أو يهدد طرق التجارة والإمدادات، يمكن أن تنتقل تكلفة الصراع من الجبهات إلى المنازل، ومن أسواق النفط إلى فواتير التدفئة والنقل والغذاء، ليصبح المواطن الأوروبي، حتى لو لم يكن طرفاً مباشراً في الحرب، معنياً بنتائجها اليومية.

شارك الخبر: