أراضي المسيحيين في لبنان: بين صفقات مشبوهة وتغيير ديموغرافي يهدد الهوية


هذا الخبر بعنوان "أراضي المسيحيين في مهب الصفقات والتغيير الديمغرافي... طارت الأرض وبقي الشعار!" نشر أولاً على موقع المركزية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظلّ صفقات عقارية مشبوهة وتغيير ديموغرافي متزايد، تواجه أراضي المسيحيين في لبنان تحدياتٍ خطيرة تهدد وجودهم وهويتهم. كان شعار "أرضي مش للبيع" يوماً ما يمثل صرخةً مدوية تحرك ضمائر المسؤولين وأصحاب العقارات، لكن اليوم، يبدو أن هذا الشعار يواجه شعاراً مضاداً يحمل في طياته واقعاً اقتصادياً قاسياً: "أعطونا كفاف يومنا وأرضنا بتكون مش للبيع".
بالنسبة للمواطن المسيحي الذي يكافح لتأمين تعليم أبنائه، أو تكاليف علاجٍ ضروري، أو حتى شراء دواء، يصبح بيع الأمتار المحدودة التي ورثها عن أجداده خياراً لا مفر منه. في المقابل، يبدو أن كبار التجار لا يعبأون بنداءات المسؤولين الكنسيين والسياسيين والحزبيين التي تدعو إلى التمسك بالأرض وتجنب التغيير الديموغرافي الذي قد تنجم عنه عمليات البيع الكبيرة.
قد يستغرب البعض إعادة فتح ملف بيع الأراضي، خاصة بعد محاولات سابقة لإسكات الأصوات التي كانت تطالب بالتحقيق في بيع حوالي 52 عقاراً في المتن لرجل الأعمال الشيعي علي جفال. لكن على مستوى الكنيسة، لا يزال ملف بيع الأراضي مطروحاً بقوة.
في قداس ذكرى تقديس الإخوة المسابكيين في بلدة العاقورة، جدد البطريرك بشارة بطرس الراعي تحذيره من تزايد بيع الأراضي في لبنان، وطرح هواجس مسيحية تتجاوز مجرد انتقال الملكيات، لتشمل التأثير المحتمل على التركيبة السكانية في عدد من المناطق، خاصة في ظل الحرب والنزوح والضائقة الاقتصادية.
مصدر كنسي رفيع أكد أن ملف الأملاك المسيحية في لبنان يستدعي وعياً وطنياً واسعاً بأهمية الحفاظ على الأرض، مشيراً إلى مخاوف جدية من حركة بيع وشراء تطال مناطق في المتن وكسروان، ولا يمكن التعامل معها باستخفاف، خصوصاً في ظل ما يُثار عن صفقات عقارية كبيرة وأسئلة حول الجهات التي تقف وراءها ومصادر تمويلها. وأضاف المصدر أنه من الضروري التمييز بين البيع الحر الذي يقوم به المواطن وبين أي عمليات شراء مشبوهة أو مخالفة للقانون، إذ لا يجوز إطلاق الاتهامات من دون مستندات وأدلة.
ويشير المصدر إلى أن مواجهة الكنيسة لهذا الواقع بدعوة الناس إلى التمسك بأرضهم لا تكفي. المطلوب الانتقال من مرحلة التحذير إلى مرحلة المواجهة العملية والقانونية، ووضع خطة متكاملة تعالج الأسباب التي تدفعهم إلى التخلي عن أملاكهم، وتراقب في الوقت نفسه حركة انتقال الملكيات العقارية، ولا سيما في المناطق التي تثار حولها علامات استفهام، مثل المتن وكسروان.
الجانب الأهم في هذه الخطة هو الجانب الاقتصادي، لذلك لا بد من التفكير في إنشاء صندوق تضامني عقاري بإشراف كنسي، يساهم فيه المقتدرون ورجال الأعمال واللبنانيون في الانتشار، وإطلاق مشاريع زراعية وسياحية وإنْمائية توفر فرص عمل للشباب، لأن الأرض التي لا يعيش فيها أصحابها ولا يجدون فيها مقومات الاستمرار تصبح أكثر عرضة للبيع.
الكاتب والصحافي بيار عطالله يرى أن ملف بيع الأراضي في المناطق ذات الحضور المسيحي لا يزال يفتقر إلى معالجة جدية ومبادرات عملية، محمّلاً الكنيسة مسؤولية التقصير في متابعته. ويتوقف عبر "المركزية" في مسألة مقاربة أسباب بيع الأراضي عند الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع بعض المسيحيين، ولا سيما من أبناء الطبقتين المتوسطة والفقيرة، إلى التخلي عن أملاكهم. من هنا، يشدد على أنه لا يجوز تحميل أصحاب الأراضي وحدهم مسؤولية البيع، من دون النظر إلى الظروف التي تحاصرهم وتدفعهم إليه.
ويشير عطالله إلى اجتماع عُقد في بكركي أمس لبحث القضية، إلا أن النتائج جاءت دون مستوى التوقعات. كما يتوقف عند قضية شراء رضا محمد جفّال، وهو لبناني من الطائفة الشيعية، أكثر من 83 عقاراً في مناطق من المتن، عدا عن عمليات بيع في جرود العاقورة وأدما وجزين وشرق صيدا والشمال والمتن الشمالي وأراضي المشاعات. ويضيف: "هذه الصفقات تتطلب توضيحاً بشأن طبيعتها وخلفياتها والجهات التي واكبتها أو سهلتها خصوصاً أن هناك غطاء من مسؤولين وهي مسألة تستدعي التحقق من الوقائع وتحديد المسؤوليات، بعيداً من إطلاق الأحكام المسبقة".
ويختتم عطالله بالقول: "المطلوب من الكنيسة أولاً الانتقال من المواقف العامة إلى مبادرات اجتماعية واقتصادية ملموسة، تبدأ بمساعدة الشباب عبر مؤسسات متخصصة، ولا سيما إنشاء مجمعات سكنية ميسّرة للشباب المسيحي المقبل على الزواج وتعزيز ثقة الناس بالدولة، لأن المواطن الذي يفقد الأمل بإمكانية الاستمرار في أرضه يصبح أكثر عرضة لاتخاذ قرار البيع. والأهم عقد مؤتمر وطني مسيحي يضم مسؤولين سياسيين وقيادات حزبية ومرجعيات كنسية، لوضع تصور مشترك وخطط قابلة للتنفيذ، وإعادة البحث في مشروع القانون الذي تقدم به النائب والوزير بطرس حرب في 29 كانون الأول 2010 إلى مجلس الوزراء، والذي نص على منع بيع العقارات المبنية وغير المبنية بين أبناء الطوائف المختلفة لمدة 15 سنة. باختصار المطلوب رؤية واضحة ومبادرات فعلية تترجم إلى دعم اجتماعي وسكني واقتصادي، بدلاً من الاكتفاء بالبيانات والتحذيرات التي تبقى، في غياب التنفيذ، حبراً على ورق".
سياسة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد