الملل: ما وراء الفراغ والبحث عن المعنى في حياة الإنسان المعاصر


هذا الخبر بعنوان "صحبة الملل" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعرّف الملل بأنه ليس مجرد فراغ أو غياب للانشغال، بل هو إشارة معقدة من عقولنا تعبر عن افتقارنا للمعنى، أو التحفيز، أو الانخراط في أمرٍ ما. غالباً ما يُعاش الملل كزمنٍ ممتدٍ يستعصي تجاوزه، ولا يجد المرء سبيلاً لاستغلاله؛ فهو ليس مجرد مساحة فارغة يمكن ملؤها بأنشطة متنوعة.
يقول الممثل الأميركي ماتيو ليدو: "لطالما كنت شغوفاً بكل ما يحيط بي، حتى وإن كانت المواقف أو الظواهر التي عاصرتها تتسبب لي، في كثير من الأحيان، بالمتاعب أو الألم. وها هي حياتي - التي تشبه رحلةً واسعةً من الاكتشاف والتعلم - تدفعني للتأمل في حالةٍ غريبةٍ نوعاً ما: "الملل". فما الذي يختبئ حقاً خلف هذا المصطلح المألوف جداً؟". ويضيف: "للوهلة الأولى - وهنا تكمن المفارقة المثيرة للاهتمام - أجد نفسي أشعر بالملل من هذا الموضوع ذاته! وهذا يعيد إلى ذهني فجأةً تلك الرغبة الملحّة التي تسيطر عليّ كثيراً (ربما أكثر مما ينبغي!)، وهي رغبتي في التفكير في "طريقة تفكيري" ذاتها... أفكر في الأمر، ثم سرعان ما أنسى!".
أمام غموض معناه، يُغرق الملل الفرد في ظلمات تفكيره، وكأنه فراغٌ يملأ كيانه من الداخل. قد يكون من الصعب معرفة ما يكمن خلف هذه الكلمة البسيطة، كما قد نشعر بالعجز عن الوصول فوراً إلى جوهر هذه الحالة التي تتوارى خلف هذا التعبير اللغوي العشوائي. ليت كان في الإمكان- بشكلٍ تلقائي- إدراكَ كل معانيها ودلالاتها؛ تماماً كطُرق السفر التي تُطلعك، بمجرد دخولك إليها، على كافة الوجهات التي تؤدي إليها. أما في الحالة المذكورة فيجد الفرد نفسه وكأنه تائهاً في أرضٍ خلاء، بعيداً من أي إشاراتٍ توجيهية، وبالتالي بعيداً عن أي وجهةٍ يقصدها.
غالباً ما يُعاش الملل كزمنٍ ممتدٍ يستعصي تجاوزه، ولا يجد المرء سبيلاً لاستغلاله؛ فهو ليس مجرد مساحة فارغة يمكن ملؤها بإضافة المزيد من الأنشطة. تتمثل الحالة بالهروب المستمر والقلق في مواجهة المجهول، الذي يمثله وقتٌ غير مُنظَّم، وهو يؤدي إلى ردود الفعل الفورية (مثل تصفح الهاتف أو البحث عن مشتتات متنوعة)، إلى تفاقم حالة الاضطراب والقلق والسلوكيات الإدمانية، بدلاً من إفساح المجال للتأمل والتفكير.
الملل المزمن وفقدان المعنى: تشير دراسات حديثة، مثل دراسات عالمة الاجتماع مورين ك. أوديا وزملائها، إلى أن الملل المزمن يرتبط غالباً بفقدان المعنى، أو بغياب الامتنان في الحياة اليومية؛ وهي حالة يمكن تخفيف حدتها عند استعادة منظورٍ هادفٍ للوجود.
الملل في بيئة العمل (Bore-out): قد يؤدي نقص التحفيز أو تكرار المهام الرتيبة في العمل إلى شعورٍ عميقٍ بتدني القيمة الذاتية، والإرهاق، والشعور بالذنب، وما يترتب عليه من تداعيات جسدية ونفسية بالغة.
الملل كشعورٌ معقد: لا يقتصر الملل على كونه مجرد مصدر إزعاج في المجتمع الحديث؛ فبالنسبة للأشخاص الذين يعانون من "اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط" (ADHD)، يمكن أن يتسبب الملل بشعور ضيقٍ شديد. يفيد جون إيستوود، اختصاصي نفسي سريري وأستاذ مشارك في جامعة يورك، أن دراسة ظاهرة الملل يجب أن تركز على التفاعلات بين العمليات المعرفية والمشاعر. يقول الباحث: "عندما أخبر الناس بطبيعة عملي، أدرك تماماً أنهم يتساءلون عن سبب الرغبة في دراسة الملل؛ أليس هذا موضوعاً مملاً للغاية؟". لكن في الواقع، يُعدّ الملل تجربةً فرديةً ومعقدة. ويرى إيستوود أن دراسة هذه الظاهرة تكشف عن رؤىً حول العمليات الذهنية التي تؤثر على انتباهنا، سواء كنا نتفاعل في علاقة مع شخصٍ أو شيءٍ ما، أو إذا كنا نحاول تجنبه. ويركز إيستوود حالياً على دراسة تجربة الملل والجهد الذهني لدى الأفراد المصابين بـ"اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط"، بهدف تكوين فهمٍ أعمق للعمليات العاطفية والمعرفية المرتبطة بهذا الاضطراب، وكيفية تفاعلها مع بعضها البعض.
إدمان الاستهلاك والبحث عن الإشباع: نستهلك أنشطتنا، وأوقات فراغنا، ومعلوماتنا، بل وحتى أصدقاءنا، وفقاً لما تمليه علينا رغباتنا، وذلك فقط لتجنب الملل الذي قد ينجم عن عدم إشباع تلك الرغبات. لقد أصبحنا مدمنين على الاستهلاك، ومأسورين بالسعي الدائم لتلبية نزواتنا. وكأننا ننتقل من نشاط إلى آخر مما يوفره لنا عالم الاستهلاك، ولا نتبع سوى أوامر اندفاعاتنا الآنية. ولكن، أين تلاشى شغفنا؟ وأين ذهب انخراطنا الواعي والمدروس في الأشياء؟
أزمة الإنسان المعاصر في مجتمع الاستهلاك: في ظل مستقبل يزداد غموضاً، وفي ظل تنشئةٍ صاغها التلفاز، حيث يسود الزائل والربحيّة، ومع اعتيادنا على أن نظل مشغولين دائماً، وتشجيعنا المستمر على رفع سقف الطموح، وانشغالنا المهووس بمثالية النجاح الاقتصادي؛ يبدو أن صلتنا بجوهر هذا العالم وهذه الحياة قد انقطعت تماماً. لقد أصبحنا مفرطين في الانخراط في الفعل والنشاط، حتى إننا خلقنا لأنفسنا مرضاً جديداً، أشد ضرراً، نطلق عليه اسم «التوتر» (Stress). ومع ذلك، قلّما يدرك أحدٌ أن هذا المرض يجسّد في جوهره أزمة حقبةٍ بأكملها، ومجتمعاً يغرق ببطء في عالمٍ من الزيف والانحطاط. يمكن القول إن هناك «ضيقاً» أو «اعتلالاً» (Malaise) في ثقافتنا؛ ويبدو أن تلك الرغبة الخفية في القضاء على الملل ليست سوى أحد أعراضه الرئيسة. أليس السعيُ للقضاء على الملل، في جوهره، محاولةً مَرَضيةً للقضاء على ذواتنا؟ فربما لا يعدو المللُ كونَه حالةً تتيح لنا تأملاً عميقاً للغاية في أنفسنا... ولعل في غياب الفعل انكشافاً لحقيقتنا كما هي، من دون تجميل.
وجد الإنسان المعاصر - وهو إنسانٌ عصابيٌّ يعاني في "مجتمع الاستهلاك" الذي أسسه بنفسه. ففي ظل هذا النظام المسمى "رأسمالياً"، يندفع الفرد نحو الاستهلاك والاستمتاع، ملبياً رغباته ونزواته ضمن إطارٍ مُعدٍّ سلفاً. وفي خضمّ هذا "التقديس للمتعة المشتراة" -التي يخلط المرء واهماً بينها وبين السعادة- يكثر الإنسان من أفعاله، موهماً نفسه بأنه بذلك يمسك بزمام حياته تماماً؛ ومع ذلك... لم يسبق للإنسان أن اختُزل إلى هذا الحد في مجرد رغباته، أو في ما أسماه سيغموند فرويد بـ "ال هو" (le ça). إن الطموحات، والأذواق، والرغبات، والآراء، بل وحتى الأفكار، وكل ما نضعه اليوم في ذلك "الوعاء الكبير" الذي نسميه "الشخصية"، ليست في حقيقتها سوى تجلياتٍ منبثقة من الأعماق الغريزية (أو النزوية) لكل فرد.
إن هذا التوجس من الملل ليس في حقيقته سوى علامةٍ على انفصالٍ تام للإنسان عن طبيعته، واتساعٍ متزايدٍ للفجوة بين الإنسانية وبين جوهر هذا العالم. فكل شيءٍ في الطبيعة يظل على حاله، متطابقاً دائماً، ومن قلب هذا التطابق ذاته ينبثق تطورٌ حقيقي. أما ما نسميه تطوراً في المسيرة الإنسانية - حيث كل شيءٍ متقلبٌ ومتحركٌ ومقصودٌ ومرغوبٌ فيه - فليس في الواقع سوى ضربٍ من التصنّع. ونحن نطلق عليه اسم «التقدم»، لارتباطه الوثيق بالتقنية؛ وهي التقنية ذاتها التي تجني أكبر قدرٍ من المكاسب من هذه الحرب المعلنة ضد الملل. إذ يكافح الإنسانُ المللَ عبر الانخراط في الفعل والإنتاج المستمر، سعياً لتعزيز راحته الشخصية، وتأكيداً لتفوقٍ وهميٍّ على عالمه الخاص.
على ما يقول الفيلسوف الفرنسي فريديريك فانجيون، "لم يسبق لنا، قبل الآن، أن توقفنا عن ممارسة «إنسانيتنا» وأنشطتنا البشرية المعهودة. لم ندرك قط، قبل الآن، أننا لسنا سوى كائن حيٍّ من بين كائناتٍ كثيرة، وأننا مجرد جزءٍ من هذا «الكون- الأحجية» الذي كنا نعتبره حتى تلك اللحظة ملكاً خاصاً بنا. فهل ينبغي علينا، إذن، أن نحترم هذا العالم الآن؟"
السياق الإنساني والتعاطف: نؤكد على أن الطريقة التي تُستقبل بها رغباتُ الفرد هي التي تحدد مدى إشباعها، وقدرته على تقبّل خيبة أملٍ جزئية. إذا كان "الآخر" يعاني هو أيضاً من المسافة ذاتها التي نعاني منها تجاهه، فقد نجد أنفسنا - على نحوٍ مفارِق- في حالة من التشارك الوجداني القائم على هذا النقص المتبادل. يبدو السياق الإنساني حاسماً، نظراً لما يقدّمه من نموذجٍ حيٍّ في الممارسة الحميمة لتلك "القوة السخية". قد يثير اختبار "الآخر" للتعامل مع رغباتنا الضيق أو يزعزع التوازن النفسي، لكن من الممكن أيضاً أن يستجيب الطرف الآخر، بدرجات متفاوتة من الوعي، ويقدّم سخاءه الخاص كنموذجٍ يُحتذى به لمن يغرق في الملل. ولعلّ المثابرة القائمة على المودة - تلك القادرة على استيعاب حالات الفقد المتتالية ووضعها في سياقها الصحيح- هي السبيل، بل والحافز، للخروج من حالة الملل.
منوعات
⚠️محذوفمنوعات
منوعات
منوعات