تنويه
هذا الخبر بعنوان "فتيل" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في صالة البيت، حيث اعتادت سلوى أن تبدأ يومها بتدوين الأفكار في مفكرتها على أنغام فيروز، كان صباحها يبدأ كالمعتاد. بعد تناول فطورها، كانت تفتح حاسوبها المحمول، بينما يتسلل ضوء خافت من النافذة ليلامس وجهها المليء بالتساؤلات. كنت أجلس بجانبها، أستمع إلى حديثها الهادئ أحياناً والحاد أحياناً أخرى عن الحرية والوطن، منبهراً بما كانت تبثه من أفكار تنويرية، لدرجة أنني كنت أنسى عدد السجائر التي أدخنها، ولا أنتبه إلا حين تطلب مني التوقف. كانت سلوى، ببراعتها في الحديث، تعمد دائماً إلى إجراء بروفات لأحاديثها وندواتها ومقابلاتها معي قبل خروجها. كانت تقرأ بزهو عبارة من مقالها الأخير، وتستنشق عطرها قائلة: "عبارة سترددها الأجيال بفخر". في الخارج، كانت المدينة تعيش موتاً بطيئاً، لكن سلوى كانت تبتسم وتؤكد: "لكل تغيير ثمن". وكنت، كغيري من قرائها ومتابعيها، أصفق لها وأشارك منشوراتها.
ذات مساء، وبينما كانت الشمس توشك على المغيب، رأيتها واقفة أمام البيت مع رجال لا أعرفهم، عائدة من العمل. لم تكن شقيقتي تعلم أنني رأيتها. كانت لغة أيديهم تشي بنقاش محتدم ووعود متبادلة. منذ ذلك المساء، أصبح صوت نقرات أصابعها على لوحة المفاتيح أشبه بوطأة النصل على اللحم الحي. حين حذرتها، قائلة: "ستبكين كثيراً يا أختي، وستندمين على كل لحظة كنتِ فيها جزءاً من مشروع تمزيق وطنك." سخرت مني، وردت: "إن الأوطان القديمة لا بد من أن تزال كي تولد أوطان حديثة. خاطرك أخي، عندي اجتماع." ذهبت إلى اجتماعها عبر الإنترنت مع ناشطين من الخارج. بعد الاجتماع، عادت إلى صفحاتها، وبدأت تكتب وتعلق وترد على منتقديها، مؤكدة أن "المخاض إجباري لولادة نُظم جديدة".
تراجعت مشاركاتي شيئاً فشيئاً. لم تعد يداي تطاوعانني على التصفيق كما كنت أفعل بسذاجة. كان يتنازعني شعوران موجعان: خوف دائم على أختي من الهاوية التي تسير نحوها، وثقل ذنب ينهشني لأنني شجعتها يوماً على هذا الطريق. صرت أقرأ ما تكتبه بقلبٍ مقبوض، أرى الكلمات تنهمر كالألعاب النارية على الشاشة، وأعلم أنها في الحقيقة حجارة تلقى على سقوف الغائبين. مرت السنوات، وهوى الوطن فعلاً، لكن الوطن الجديد لم يولد. وحدها الخرائط تغيّرت، والخنادق اتّسعت، والشاشات الصغيرة تبث باستمرار صور الأنقاض والنزوح، والذين صفّقوا لها صاروا يتقاتلون على ما تبقّى من الحطام. تذكرت تحذيري لها: "أتمنى أن أعيش حتى أذكّركِ بحماقتك." ذات يوم، وبعد أن خفّت لقاءاتنا في البيت، رأيتها تحدّق في مشعلها المنطفئ. قلت لها بهدوء، وأنا أضمها بيدي اليمنى في غرفتها: "لم تكوني تحملين مشعلاً يا سلوى؛ كنتِ تحملين فتيلاً." رفعت رأسها. نظرت إليّ وفي عينيها شيء يشبه البكاء. لم تجبني. التفتت إلى المرآة، وأخذت منديلاً مبللاً ومسحت به المرآة. رأت وجهها محاطاً بظلال الذين فقدوا بيوتهم، وبأطفال يبحثون عن أسماء قراهم في خرائط لم تعد موجودة. ظل هاتفها يرنّ، فتجاهلته حتى أجابت أخيراً، فكان الخبر أن بيت صديقتها قد انهار على ساكنيه. مدّت يدها إلى المشعل، تحاول إشعاله من جديد، لكن أصابعها ارتجفت. انقطعت الكهرباء عن المدينة جراء الانفجارات المتكررة، فغرقت في الظلام. كان الضوء الوحيد في الغرفة يأتي من شاشة هاتفها التي تعرض خبراً عاجلاً عن جولة جديدة من الاقتتال.
أخبار ذات صلة
سياسةإحالة ملف شحنة المتفجرات إلى قاضي التحقيق العسكري الأول بعد الادعاء على 13 متهماً
سياسةانتشار مكثف للجيش اللبناني أمام الكنائس: هل هو استباق للأحداث أم استجابة لتهديد؟
سياسةأنور قرقاش: إرث الشيخ زايد يظل منارة للإمارات في مسيرتها نحو المستقبل
سياسة
