لبنان
سياسة

من فيصل الأول إلى أحمد الشرع: قراءة في قرن سوري من التحولات السياسية والدستورية

المدن٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٢:٢٨ م0 مشاهدة
من فيصل الأول إلى أحمد الشرع: قراءة في قرن سوري من التحولات السياسية والدستورية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من فيصل الأول إلى أحمد الشرع: أبناء الأرض وأبناء السماء؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

مرّت الذكرى المئوية لإعلان الاستقلال السوري الأول في 8 آذار 1920، وسط تجاهل رسمي من مؤسسات "الجمهورية العربية السورية". هذه الذكرى تحمل في طياتها إعلان تتويج الأمير فيصل بن الحسين على رأس المملكة السورية، وبدء مناقشة مشروع دستور 1920 وإقراره، الذي نصّ على "حكومة مدنية نيابية عاصمتها دمشق الشام ودين مَلكها الإسلام"، ومسؤولية الوزارة أمام المجلس النيابي. في عام 2020، اقتصر إحياء الذكرى على ندوة في عمّان ومحاضرة في منتدى الفكر العربي. مقارنة دستور 1920 بالنظام النيابي ومسؤولية الوزارة أمام الملك فيصل، مع دستور 1973 الذي جمع السلطات بيد الرئيس حافظ الأسد، توضح سبب التجاهل الرسمي. سلطات الأسد الابن لم تعد تحكم جغرافية سوريا كاملة، ولم تعد تطابق "الجمهورية العربية السورية" تحت حكم آل الأسد.

كان اعتبار "دمشق قلب العروبة النابض" يغطي تاريخ سوريا ما قبل الأسدين في المناهج الجامعية والكتب المدرسية، بينما مجّد إنجازات الأسدين الذين حكموا سوريا لأكثر من نصف قرن. أصبح تاريخ سوريا الحديث، في النصف الأول منه (1918-1963)، مؤدلجاً وممسوخاً، حتى اختفى مقرر عن تاريخ سوريا المعاصر في جامعة دمشق. بعد 24/12/2024، انطلقت مشاعر تعبّر عن الهوية المنشودة لسوريا الجديدة، تراوحت بين استعادة دمشق الأموية وإعادة الاعتبار لسوريا الديموقراطية التي بدأت مع دستور 1920.

في غياب الدراسات عن النصف الأول من "القرن السوري"، صدر كتاب "من فيصل الأول إلى أحمد الشرع لحظات سوريا الفارقة بين أبناء الأرض وأبناء السماء: في الدولة والتحولات" لإبراهيم الجبين. يغطي الكتاب ما هو أكثر من نصف القرن المغيب، ويقدم مقاربة جديدة تستعرض "القرن السوري" بتحولاته وحكوماته ودساتيره وانقلاباته وتدخلاته الإقليمية والدولية.

بعد أعماله الشعرية والروائية، اتجه الجبين إلى الكتابة في التاريخ العربي والإسلامي، ونشر دراسات تطرح مقاربات مختلفة، مثل كتابه "لغة محمد" الذي أوضح فيه أن لغة الرسول كانت متنوعة وغير متشددة. ومع انخراطه في المعارضة، تحوّل الجبين إلى الدراسات السياسية، كما في كتابه "الطريق إلى الجمهورية 1800-1952"، الذي تناول انشغال الرواد بفكرة الدولة. مع صِلاته بقوى المعارضة، عرف الجبين مسبقاً ما هو قادم مع عملية "ردع العدوان" التي انتهت بسقوط "سوريا الأسد" في 24/12/2024، فكتب ونشر مقالات كانت نواة لكتابه الأخير.

في هذا الكتاب، يتجلى شغف الجبين بالتاريخ السوري المعاصر، بعدما غطّت عليه عقود الأدلجة وتغييب الخبرة الدستورية والنيابية. حرص على توثيق المصادر والمراجع التي استقى منها معطياته. المقاربة المهمة في هذه الدراسة، التي برزت في العنوان (من فيصل الأول إلى أحمد الشرع)، تتجلى في الخاتمة. العنوان الفرعي "في الدولة والتحولات" يعبّر عن انشغال المؤلف الرئيسي، ويتناول سبعة أسئلة أو أقسام في الكتاب: الشرعية والدولة، الحكم، المركز والأطراف والخارج، القوة في علاقتها بالسياسة والتحولات الفكرية.

يوضح المؤلف أن ما يقدمه هو "محاولة لقراءة تاريخ الدولة السورية وتحولاتها ليس بكيفية الوصول إلى السلطة بل ماذا تفعل السلطة الجديدة حين تنقل من إسقاط النظام إلى إدارة الدولة". يطرح السؤال: "ليس المهم من هو الرجل الذي يحكم سوريا، بل ماذا يحدث حين يصل إليها، هل يصنع الحاكم الدولة التي يريدها أم تصنع الدولة بتاريخها ومجتمعها وجغرافيتها وتعقيداتها الحكم الذي تستطيع احتماله؟"

الكتاب يقدم للقارئ السوري أرضية تاريخية غنية عن الفترات الفاصلة بين وصول فيصل الأول وحكمه (1918-1920) وبين وصول أحمد الشرع إلى دمشق وانتخابه رئيسا انتقاليا (2025-2026)، خصوصاً للجيل المغيّب عن تلك الفترات بسبب تسيّد التاريخ الرسمي لما حدث في سوريا بعد 1970. يستعرض الكتاب نقداً لوحدة سوريا مع مصر (1958-1961) وآثارها المدمرة، ودخلت سوريا بعدها في دوامة انقلابات وتصفيات (1963-1970) أدّت إلى جمهورية أسدية وراثية (1970-2024).

يبدأ القسم الأول بالانقلاب المهم الذي حدث في البلاط العثماني في 1876 بفرض دستور يقيّد الحكم المطلق. استخدم السوريون كلمة "دستور" بعد الثورة "الدستورية" على السلطان عبد الحميد في 1908. أدى الانقلاب العسكري الثاني لجمعية الاتحاد والترقي في 1913 إلى دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى وانهيارها في نهاية 1918.

في هذا السياق، تمت الدعوة إلى انتخاب أعضاء "مجلس المبعوثان"، مما أفضى إلى أول تجربة نيابية في الدولة العثمانية (1877-1878). كان من آباء هذه التجربة النيابية من سوريا خالد الأتاسي (1837-1908)، وابنه هاشم الأتاسي (1873-1960)، الذي برز باعتباره من آباء الحركة النيابية والدستور السوري الأول (1920).

كانت الحياة البرلمانية "غيّرت من فهم السوريين للولاء للدولة ونقلتهم من قاعدة السمع والطاعة إلى دائرة الصراع من أجل البرامج الحيوية". ممن خاض هذه التجربة الأمير فيصل بن الحسين (1885-1933)، الذي اكتسب خبرة سياسية ونيابية. بعد انضمامه إلى جمعية العربية الفتاة، التحق بالمشروع العربي لأجل دولة عربية مستقلة. دخل دمشق على رأس الجيش العربي في 3/10/1918، معلناً "تأسيس حكومة دستورية عربية مستقلة شاملة جميع الأراضي السورية" في 5/10/1918.

شارك الأمير فيصل في مؤتمر الصلح في باريس، ولفت نظر الرئيس الأميركي ويلسون. اقترح ويلسون استفتاء رغبة السوريين وتشكيل لجنة دولية. اتجه السوريون نحو عقد مؤتمر وطني استعداداً للقاء اللجنة. دعا فيصل النخبة السورية إلى انتخاب مؤتمر سوري ليطرح ما يريده السوريون أمام لجنة كينغ-كراين، وليعدوا دستوراً للبلاد.

التأم المؤتمر السوري في 3 حزيران 1919، وانتخب معظم أعضائه حسب قانون الانتخاب العثماني الأخير. اتفق السوريون على إعلان استقلال المملكة السورية في 7/3/1920، ليضعوا الدول الأوروبية أمام الأمر الواقع. أُعلن هذا القرار في 8/3/1920، وتشكلت حكومة برئاسة رضا الركابي تستمد شرعيتها من المؤتمر السوري الذي تحول إلى جمعية تأسيسية. على النقيض، رفضت الأسرة الدولية الاعتراف بالمملكة السورية المشكّلة آنذاك.

استمرت هذه التجربة الرائدة في بناء دولة سورية أقل من سنتين، لكنها تركت إرثاً من بناء مؤسسات الدولة (جيش وطني وعملة وأول مجمع للغة العربية ونواة للجامعة السورية) وإطلاق حرية الأحزاب والصحافة والنشر. برزت حوالي عشرة أحزاب وأكثر من عشر صحف. قال الشيخ رشيد رضا عن هذه التجربة: "المملكة السورية أسّست ديموقراطية حقيقية وكانت الحرية لجميع أنواعها والنشر مما تحسدها عليه سائر البلاد السورية ومصر".

انهيار "المملكة السورية" بعد معركة ميسلون في 24/7/1920، وانسحاب الملك فيصل، ثم نجاحه في تحقيق استقلال متدرج للعراق وانضمامه لعصبة الأمم في 1932، جعل الجبين يقارن "فيصل السوري" مع "فيصل العراقي". خلص إلى أن "فيصل السوري" كان "يريد دولة مستقلة قبل أن يملك أدوات حمايتها، بينما كان في العراق يعمل على بناء الأدوات (المؤسسات) داخل استقلال ناقص".

في الانتقال إلى القطب الثاني لعنوان الكتاب (أحمد الشرع)، يتناول الجبين في فصل "ربيع دمشق وقتل الأب" ظروف توريث بشار الأسد للحكم في عام 2000، و"ربيع دمشق"، وصولاً إلى الانتكاسة السريعة وتصاعد المعارضة التي تحولت إلى ثورة 2011 ضد النظام الأسدي. بعد 2021، بدأت ملامح "فقدان الأمل والميل إلى التفاوض وتقاسم السلطة مع الأسد".

تبدد التشاؤم بعد أيام مع اتصال جاءه عشية عملية "ردع العدوان"، وجعله يستعيد الأمل ويعبّر عما هو آت، وكان "يجزم بأن هذه المعركة ستنتهي بإنهاء نظام الأسد". بعد نشر "كتابات ساخطة" عن التيارات الإسلامية، تغيرت الصورة حين التقى أحمد الشرع، فبدا "على النقيض مما رأيته ورآه الجميع".

الفصل الأخير "الجولاني- أحمد الشرع رئيسا" مهم في المقاربة والمقارنة التي يجريها الجبين بين قطبي سوريا 1920-2025، أي بين الملك فيصل والرئيس أحمد الشرع. ينطلق الجبين من اعتبار أن الجولاني كان يمثل "جيلا جديدا من الجهاديين السلفيين يريد أن يطور الفكر والتموضع ليتمكن من العيش في العصر". أسس "جبهة النصرة"، ثم أخذ في التحول من "فرع في شبكة جهادية عابرة للحدود (القاعدة) إلى قوة سورية محلية تستطيع الاندماج مع الفصائل (الأخرى) وإدارة الأرض".

في تطور آخر، يلاحظ الجبين كيف أن الصورة النمطية للجهاديين أخذت تتغير، وراحت صورة الجولاني "تتشكل من جديد وتنمو باتجاه صورة القيادي الوطني (المعتدل)". في هذا السياق، تشكلت "حكومة الإنقاذ" لتكون الإدارة والسياسة متلازمتين مع فصل نسبي بين التنظيم العسكري والحكم المدني.

يصل الجبين إلى ملاحظة مهمة تتمثل في أن "هذه التحولات في الشمال لم تحظ بالمتابعة التي تتناسب مع أهميتها لدى قطاعات واسعة من النخب السورية إلى أن أعلن الجولاني عن دوره الجديد في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 قائدا لـ "إدارة العمليات العسكرية" التي شنّت هجومها المفاجئ".

في الساعات والأيام الأولى لوصول أحمد الشرع إلى دمشق، أبرزت التحول من المقاتل إلى رجل الدولة، بدءاً من رسالته إلى رئيس الوزراء محمد الجلالي (8/12/2024) "للحفاظ على مؤسسات الدولة". ثم تكليف البشير برئاسة حكومة تصريف الأعمال وصولاً إلى "مؤتمر النصر" في 29/1/2025، الذي أعلن عن قرارات فاصلة: تولي أحمد الشرع رئاسة الجمهورية خلال المرحلة الانتقالية وتفويض الرئيس بتشكيل مجلس شعب يتولى المهام التشريعية حتى صياغة دستور دائم للبلاد.

في نهاية الفصل الأخير، يبرز الجبين أكثر شخصية أحمد الشرع كرجل دولة ضمن العلاقات الجديدة الإقليمية، سواء مع الدول التي دعمته منذ البداية (قطر وتركيا) أو مع السعودية (حيث وُلد الشرع في 1982). بقيت الولايات المتحدة تصنفه بين الجماعات الإرهابية، بينما بقيت العلاقات مقطوعة مع ايران ومتوترة مع اسرائيل.

هل يصنع الحاكم الجديد سوريا كما يريد؟ يخلص الجبين إلى جوهر المقارنة والرؤية المستقبلية بين الملك فيصل والرئيس أحمد الشرع ليترك الجواب مفتوحاً: "بعد أكثر من قرن على دخول فيصل بن الحسين إلى دمشق دخلها أحمد الشرع من باب مختلف، حاملاً تاريخاً مختلفاً ومشروعاً مختلفاً، ووارثاً دولة ومجتمعا يختلفان جذريا عما وجده فيصل في مطلع القرن العشرين. وبين الدخولين مسافة زمنية طويلة امتلأت بالدساتير والانقلابات والحروب والوحدات والانفصالات والثورات والاستبداد، لكن سؤالا واحدا بقي مفتوحا: هل يصنع الحاكم سوريا التي يريدها، أم تصنع سوريا بتعقيدتها وتاريخها ومجتمعها الحاكم الذي تستطيع أن تعيش معه؟"

كتاب الجبين مفيد جداً للجيلين اللذين ولدا خلال عهد الدولة الأسدية (1970-2024) بما يحوي من معلومات غزيرة عن سوريا خلال القرن الأول لها. وهو مفيد للمثقفين بما حمله من مقاربات وتحليلات ومقارنات وتوقعات بين قطبي "الكيان السوري" الملك فيصل والرئيس أحمد الشرع تفتح الأفق لنقاش مفتوح يشارك به الجميع عن "القرن الثاني" للدولة السورية.

شارك الخبر: