لبنان
سياسة

الشرق الأوسط: من سايكس بيكو إلى إعادة تشكيل النفوذ والمصالح الدولية

النهار٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٢:٤٠ م0 مشاهدة
الشرق الأوسط: من سايكس بيكو إلى إعادة تشكيل النفوذ والمصالح الدولية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "خرائط الشرق الأوسط... من يرسمها" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يعد الشرق الأوسط الذي رسمت معالمه اتفاقية سايكس–بيكو عام 1916 يمت بصلة إلى المنطقة التي نشهد تحولاتها اليوم، سواء من حيث طبيعة القوى المسيطرة، أو أدوات الصراع الدائرة، أو مكانته في الاقتصاد العالمي. لطالما كانت هذه المنطقة، عبر التاريخ، ليست مجرد مساحة جغرافية، بل نقطة تقاطع استراتيجية للمصالح الدولية، وميداناً لاختبار موازين القوى، ومؤثراً رئيسياً في حركة التجارة والطاقة والأمن العالمي. فما الذي تغير خلال أكثر من قرن من الزمان؟ وهل نحن بصدد إعادة رسم للحدود، أم إعادة تشكيل للنظام الإقليمي بأكمله؟

من الانتداب إلى صراع الإرادات: في 16 أيار 1916، أبرمت بريطانيا وفرنسا اتفاقية سايكس–بيكو السرية لتقسيم مناطق النفوذ في الأراضي العربية التابعة للدولة العثمانية. لم تكن هذه الاتفاقية وحدها صانعة حدود المنطقة، لكنها شكلت نقطة انطلاق لمشروع إعادة تنظيم المشرق، الذي اكتمل لاحقاً عبر ترتيبات مؤتمر سان ريمو عام 1920 ونظام الانتداب. وفي عام 1917، أضاف وعد بلفور بعداً جديداً للصراع على فلسطين، قبل أن يؤدي تأسيس إسرائيل عام 1948 إلى جعل القضية الفلسطينية محوراً دائماً في الأمن والسياسة الإقليميين. ثم جاءت حرب حزيران 1967 لتغير الواقع العسكري والجغرافي، باحتلال إسرائيل للضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة وسيناء والجولان ومزارع شبعا. وفي عام 1979، أعادت الثورة الإيرانية تشكيل موازين القوى، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من التنافس الاستراتيجي، تعززت بعد الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988). أما الغزو الأميركي للعراق عام 2003، والانتفاضات العربية التي انطلقت عام 2011، فقد كشفت هشاشة دول عديدة وفتحت الباب أمام صعود قوى مسلحة وتدخلات إقليمية ودولية متشابكة. وهكذا، لم تعد المنطقة محكومة بالحدود الاستعمارية فحسب، بل أصبحت ساحة تنافس على النفوذ والممرات الاستراتيجية والطاقة والأمن.

من احتكار الغرب إلى تعددية الأقطاب: كان الشرق الأوسط في القرن العشرين ساحة نفوذ بريطاني وفرنسي، ثم أصبح جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأميركية خلال الحرب الباردة وما بعدها. أما اليوم، فقد اتسع نطاق اللاعبين ليشمل الصين وروسيا، بالإضافة إلى قوى إقليمية كإيران وتركيا والمملكة العربية السعودية وإسرائيل. هذا التحول لا يعني نهاية النفوذ الأميركي أو انتقال المنطقة لمحور دولي جديد كلياً، بل يعكس تراجع قدرة أي قوة منفردة على إدارة الملفات الإقليمية دون مراعاة مصالح الآخرين. وتبرز مبادرة الحزام والطريق الصينية، وتوسع العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج وآسيا، والتنافس على الموانئ والطاقة والتكنولوجيا، أن الصراع لم يعد عسكرياً فقط، بل امتد ليشمل الجوانب الاقتصادية والمالية والتكنولوجية. وفي المقابل، لا تزال قضايا فلسطين، والصراع العربي الإسرائيلي، ومستقبل سوريا والعراق ولبنان، والأمن في الخليج، تحدد طبيعة التحالفات الإقليمية. وقد أظهرت حرب غزة (طوفان الأقصى) في 7 تشرين الأول 2023، واتساع المواجهات، مدى ترابط الأمن الإقليمي والتوازنات الدولية، وكيف يمكن لتطور عسكري محلي أن يتحول إلى أزمة دبلوماسية واقتصادية عالمية.

لماذا يهتز الاقتصاد العالمي باضطراب المنطقة؟ تكمن الأهمية الاقتصادية للشرق الأوسط في اجتماع ثلاثة عناصر: الطاقة، والممرات البحرية، والموقع الجغرافي الذي يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغ متوسط تدفق النفط ومشتقاته عبر مضيق هرمز نحو 20.7 مليون برميل يومياً في عام 2024، أي ما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي. كما مرّ عبر المضيق نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. هذه الأرقام تفسر لماذا لا تقتصر تداعيات أي تهديد للمضيق على دول الخليج، بل تنعكس على أسعار النفط، وتكاليف النقل والإنتاج، ومعدلات التضخم، والميزانيات الحكومية في الدول المستوردة للطاقة. ولا تقل أهمية قناة السويس والبحر الأحمر عن مضيق هرمز. ففي الظروف الطبيعية، يمر عبر قناة السويس نحو 15% من حجم التجارة البحرية العالمية. لكن اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر أدت، خلال الشهرين الأولين من عام 2024، إلى انخفاض حجم التجارة العابرة للقناة بنحو 50% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق صندوق النقد الدولي. كما ارتفعت حركة السفن الملتفة حول رأس الرجاء الصالح بنحو 74%، وزادت مدة الشحن في بعض المسارات عشرة أيام أو أكثر. والنتيجة ليست مجرد ارتفاع في أجور الشحن والتأمين، بل تأخر وصول المواد الأولية والسلع، وزيادة تكاليف الإنتاج، واضطراب سلاسل الإمداد. لذلك، تتحول الجغرافيا الشرق أوسطية إلى عامل مؤثر في التضخم والنمو الاقتصادي حتى في الدول البعيدة عن ساحات الصراع.

هل نحن أمام سايكس–بيكو جديدة؟ لا يمكن الجزم علمياً بأن المنطقة تتجه حتماً إلى تقسيم جديد، فإعادة تشكيل النفوذ لا تعني بالضرورة تغيير الحدود الدولية. لكن الصراعات الممتدة، وتراجع مؤسسات بعض الدول، وتعدد مراكز القوة، والتنافس على الموارد والممرات، كلها عوامل تفتح الباب أمام تغييرات في أنظمة الحكم والتحالفات ومناطق السيطرة الفعلية. تكمن المفارقة في أن المنطقة التي عانت من رسم خرائطها على أيدي القوى الخارجية، أصبحت اليوم تمتلك موارد طاقة هائلة، وأسواقاً استراتيجية، وموقعاً لا غنى عنه للتجارة الدولية، لكنها لا تزال تدفع أثمان الانقسامات والحروب. بين سايكس–بيكو والشرق الأوسط المعاصر، انتقلت المنطقة من صراع استعماري على الأراضي إلى تنافس متعدد المستويات على الطاقة والتكنولوجيا والممرات البحرية والنفوذ السياسي والعسكري. العامل الحاسم لن يكون فقط هوية القوة الدولية الأكثر نفوذاً، بل قدرة دول المنطقة وشعوبها على بناء مؤسسات مستقرة، وتطوير اقتصادات منتجة، وإدارة خلافاتها بعيداً عن الحروب المفتوحة. فالشرق الأوسط ليس مهماً للعالم بسبب أزماته وحدها، بل لأن استقراره أو اضطرابه يؤثران مباشرة في أمن الطاقة والتجارة الدولية والنمو الاقتصادي. ومن هنا، فإن مستقبل المنطقة لن يحدده شكل الخرائط وحده، بل أيضاً من يمتلك القدرة على التأثير في حركة المصالح التي تعبرها.

شارك الخبر: