جبل عامل في مواجهة التحديات: بين القضم الإسرائيلي وعجز الدولة والمقاومة


هذا الخبر بعنوان "جبل عامل إلى أين؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يمكن للبنان الاستمرار في التعامل مع الأحداث الجارية في الجنوب وكأنها مجرد أزمة عابرة يمكن للزمن أن يحلها. فالأرض تُفقد، والقرى تُدمّر، والسكان يعيشون بين التهجير والخوف من المجهول. في المقابل، تبدو الدولة عاجزة عن ترجمة موقفها السياسي إلى حضور فعلي، بينما تواجه المقاومة واقعاً عسكرياً وسياسياً معقداً لم يمنع إسرائيل من مواصلة الضغط وتغيير الوقائع على الأرض. إن من يعيش في جبل عامل يدرك حجم التحول دون الحاجة لتقارير خارجية؛ يكفي النظر إلى القرى والطرق والمنازل والأراضي الزراعية، والاستماع إلى قصص من بقوا ومن غادروا، ليتضح أن الأمر تجاوز مجرد جولة عسكرية. إنها قضية مجتمع يتعرض للاستنزاف، وبيئة عمرانية واقتصادية واجتماعية تتآكل، وذاكرة مكانية مهددة بالتحول إلى مجرد صور باهتة من الماضي.
المشكلة لا تكمن فقط في تقدم إسرائيل، بل في غياب تقدم لبناني موازٍ. فبينما تعتمد إسرائيل سياسة القضم التدريجي وفرض الوقائع، تتحرك الدولة اللبنانية بشكل أساسي في المسار الدبلوماسي والتفاوضي، دون أن تظهر أدوات قوة سياسية وميدانية كافية لمنع تحول الأمر الواقع إلى وضع دائم. التفاوض ضرورة، لكنه يتطلب أوراق قوة وقدرة على تحويل الموقف السياسي إلى ضغط فعلي.
في سياق متصل، لا يمكن تجاهل السؤال المتعلق بالمقاومة نفسها. فالمقاومة، التي كانت تاريخياً جزءاً أساسياً من مواجهة الاحتلال وقدمت تضحيات جسيمة، تواجه اليوم تحدياً مختلفاً: كيف تحافظ على وظيفتها الأساسية في حماية الأرض في ظل واقع لم تعد فيه المعادلات القائمة تمنع القضم والدمار والتهجير؟ هذا السؤال ليس طعناً في تاريخ المقاومة أو إنكاراً لتضحياتها، بل هو سؤال سياسي طبيعي تفرضه التحولات الميدانية. فالاستراتيجيات، مهما كانت تاريخية، تحتاج إلى مراجعة عند تغير الظروف والنتائج. كما أن نقد أداء الدولة لا يعفي المقاومة من مسؤوليتها، ونقد خيارات المقاومة لا يبرئ الدولة من عجزها. المعيار الوحيد يجب أن يكون: ماذا يفعل كل طرف اليوم لحماية الأرض والناس ومنع تثبيت الاحتلال؟
وهنا نصل إلى الخطر الأعمق: تفتيت جبل عامل. لا أقصد بالتفتيت مشروعاً معلناً لتقسيم الأرض، بل تفتيتاً أكثر هدوءاً وخطورة يتمثل في فقدان القرى لسكانها، وعدم وجود سبب للعودة للعائلات، وانهيار الاقتصاد المحلي، وتراجع المؤسسات، ونمو أجيال لا ترى مستقبلاً في قراها، وتحول الابتعاد عن الأرض إلى خيار طبيعي. هذه ليست مسألة حدود فقط، بل مسألة بقاء. فجبل عامل ليس مجرد منطقة جغرافية، بل مجتمع له تاريخه وذاكرته ودوره في تكوين لبنان. لذا، فإن إضعاف قدرته على البقاء والتماسك لا يمكن اختزاله في خسارة عسكرية أو ملف تفاوضي.
من هنا، يجب أن يرتقي مستوى النقاش. لم يعد كافياً السؤال عن مفاوضات لبنان أو مواقف المقاومة أو ردود إسرائيل. السؤال الأهم هو: هل بقي أهل الجنوب قادرين على البقاء في أرضهم؟ وهل بقيت الدولة حاضرة فيها؟ وهل يوجد مسار واضح يمنع تحول القضم إلى واقع دائم؟ إذا كانت الإجابة غامضة، فهذه مشكلة وطنية تتجاوز أي طرف. الدولة مطالبة بحضور فاعل لا بمجرد إدارة الأزمة عن بعد. والمقاومة مطالبة بمراجعة أدائها في ضوء ما يجري على الأرض، ليس لإلغاء تاريخها، بل لأن حماية الجنوب تتطلب البحث الدائم عن الوسيلة الأكثر فعالية. لا ينبغي وضع الجنوبي بين خيارين فقط: حرب مفتوحة أو استسلام. هناك عمل سياسي ودبلوماسي وقانوني وشعبي، وتثبيت للسكان، وإعادة إعمار، وحماية اقتصادية واجتماعية للقرى الحدودية، وتوثيق مستمر للانتهاكات، وحضور فعلي للدولة، إلى جانب حق لبنان في الدفاع عن أرضه بكل الوسائل المشروعة ضمن استراتيجية وطنية. المهم ألا يبقى الجنوب وحده في مواجهة الزمن، فالزمن في مثل هذه الصراعات ليس محايداً. كل قرية تخسر أهلها، وكل منزل يبقى مدمراً، وكل أرض تتعطل زراعتها، وكل شاب يبحث عن مستقبله بعيداً عن بلدته، يضيف طبقة جديدة إلى واقع يصعب تغييره. هنا يصبح القضم أخطر من عملية عسكرية محدودة، لأنه يستهدف تغيير علاقة الإنسان بأرضه.
من يعيش في جبل عامل يرى هذه التفاصيل بصورة مختلفة عمن يراقب الجنوب من خلف الشاشات. يرى معنى تغير حياة قرية، وتراجع الحركة الاقتصادية، وصعوبة العودة. ولذلك، فإن التحذير من هذا المسار ليس موقفاً سياسياً ضد طرف، بل دفاع عن مجتمع يعرفه أبناؤه من الداخل. لقد دفع الجنوب ثمناً باهظاً في مواجهة الاحتلال، ولا يجوز أن تتحول تضحيات أهله إلى مبرر لقبول واقع جديد، أو أن تتحول معاناتهم إلى مادة للمزايدة السياسية. المطلوب أبسط وأصعب في آن واحد: أن تبقى الأرض لأهلها، وأن تبقى الدولة حاضرة فيها، وأن تكون مقاومة الاحتلال وسيلة لحماية الإنسان والأرض، لا غاية منفصلة عنهما. إذا استمر القضم، فإن لبنان يحتاج إلى أكثر من بيانات ومفاوضات ومواقف. يحتاج إلى خطة تمنع الاحتلال من تحويل المؤقت إلى دائم، وتمنع تهجير السكان من التحول إلى هجرة نهائية، وتعيد للدولة حضورها، وتضع كل أدوات القوة اللبنانية في خدمة هدف واضح: حماية الجنوب ومنع تفتيت جبل عامل. فالمعركة اليوم ليست فقط على شريط من الأرض، بل على حق مجتمع كامل في البقاء، والشعور بأن دولته تراه، وأن أرضه ليست خريطة منسية في لبنان لا يتذكرها العالم إلا عندما يقضمها الاحتلال.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة