لبنان
اقتصاد

لبنان: الوظيفة الواحدة لم تعد كافية، والعمل الإضافي ضرورة للبقاء

المدن٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٠:٣٨ م0 مشاهدة
لبنان: الوظيفة الواحدة لم تعد كافية، والعمل الإضافي ضرورة للبقاء

تنويه

هذا الخبر بعنوان "وظيفة واحدة لا تكفي: العمل الإضافي بالكاد يؤمّن العيش" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يعد الراتب الشهري في لبنان كافياً ليمنح صاحبه شعوراً بالأمان، ولا الوظيفة الواحدة قادرة، في حالات كثيرة، على تأمين متطلبات الحياة الأساسية. فبين فواتير الكهرباء والمياه، وأقساط المدارس والجامعات، وكلفة الغذاء والنقل والاستشفاء، يجد اللبناني نفسه مضطراً إلى البحث عن مصدر دخل إضافي، لا لتحقيق الرفاهية، بل لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي. من موظف ينتقل بعد انتهاء دوامه إلى عمل آخر، إلى أستاذ يعطي دروساً خصوصية مساءً، وعامل يستثمر أيام عطلته في مهنة إضافية، تتسع دائرة الذين باتوا يوزّعون يومهم بين أكثر من وظيفة، فيما تتقلص ساعات الراحة والحياة العائلية. وهكذا، يتحول العمل الإضافي من خيار لتحسين الدخل إلى ضرورة تفرضها معادلة قاسية: ساعات عمل أطول، وتعب أكبر، وقلق مستمر من العجز عن تلبية الحاجات الأساسية.

تعدد الوظائف

لكن خلف هذه الصورة سؤال يتجاوز قدرة اللبناني على الصمود والتكيّف: كيف يمكن لمجتمع أن يطلب من أفراده المزيد من العمل، فيما لا يضمن لهم العمل نفسه حياة كريمة؟ وهل أصبح تعدد الوظائف دليلاً على اجتهاد اللبناني، أم مؤشراً إلى خلل عميق في منظومة الأجور والحماية الاجتماعية؟ بين واقع العمال وشهاداتهم، ورؤية النقابات، تبرز الحاجة إلى فهم الأسباب التي جعلت الوظيفة الواحدة عاجزة عن تأمين متطلبات الحياة، والبحث في المسؤوليات والحلول.

رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان كاسترو عبدالله يؤكد لـ"المدن" أن "الحد الأدنى للأجور هو بحدود 313 دولاراً. وحتى مع الملحقات قد يلامس 400، ولكنه لا يكفي لنهاية الشهر. وقد يضطر الموظّف هنا للبحث عن وظيفة ثانية في حال وجد هذه الفرصة. وفي غالب الأحيان يلجأ إلى الاستعانة بأحد أولاده للعمل على حساب مدرسته أو جامعته أو أن الزوجة تضطر إلى العمل خارج المنزل". ويعتبر عبدالله أن "هذه الظروف هي استغلال من أصحاب العمل للعاملين، وتأتي في ظل المنافسة من العمالة الأجنبية المنتشرة بكثرة على الأراضي اللبنانية لأن تضخم الأسعار يفرض نفسه. لذا نرى أن بعض اللبنانيين يلجؤون إلى بيع الخضار أو القهوة على الطرقات. ولا يغفل عن بالنا أن جزءاً كبيراً من أهل الجنوب العاملين قبل الحرب قد أصبحوا اليوم عاطلين عن العمل بفعل النزوح والتهجير. وهذا عامل سلبي إضافي على الواقع الاجتماعي".

وحول المسؤول عن هذا الواقع المعيشي المتردي يقول عبدالله: "الدولة لا تقوم بواجباتها ولا تذهب مباشرة إلى جوهر القضية، بل تقوم أحيانا ببعض العراضات عندما تداهم بائع خضار وتصادر عربته التي هي مصدر رزقه الوحيد. ونرى أن الدولة تغاضت عن عمل بعض العسكريين في أعمال حرة ليؤمنوا مصدر دخل جديد. وغالبية الموظفين في القطاع العام لا يداومون في مكاتبهم كل أيام الأسبوع، لأنهم لا يملكون إمكانية النقل وهكذا تسير الأمور. والدولة لا تعالج قيمة القوة الشرائية التي كانت عليها قبل 17 تشرين الأول 2019".

ويضيف أن "الوظيفة الثانية إن وجدت هي خيار مطلوب، ولكنها استنزاف جسدي ونفسي، لأن العامل يضطر إلى العمل لأكثر من 8 ساعات يومياً. وهذا يسبب أمراضاً مبكرة ويؤثر على حياته المستقبلية. فهناك من يفقد سمعه بسبب ضجيج الآلات، ومنهم من يضعف بصره، وهناك ظاهرة جديدة حيث يضطر البعض إلى تزويج بنته القاصر ليخفف من العبء الحياتي".

وعلى المستوى القانوني يؤكد عبدالله أن "بعض التشريعات تصبّ في مصلحة صاحب العمل. وكنقابات عمالية أمامنا سلة متكاملة نعمل عليها. ولكن أمامنا عقبات، فلا توجد مؤسسات إحصائية تعمل بشكل منظم، بل اجتهاد فردي نتيجة الحرب والدمار". وشرح أن بعض الإحصائيات التي صدرت عن المنظمات الدولية وبعض المؤسسات البحثية كشفت عن وجود أكثر من 17 ألف شكوى أمام مجالس العمل التحكيمية، غير تلك المقدمة إلى الضمان الاجتماعي ووزارة العمل. وأكد أن "الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين يستعد لتنفيذ تحركات لرفع الصوت في مواضيع العمل والمدارس والمحروقات والعاملين في قطاع زراعة التبغ لمن تضررت بيوتهم وأراضيهم. نحن مستمرون برفع الصوت على الرغم من الهيمنة على الحركة النقابية. لذا نرى أن الوضع إلى المزيد من التأزم وحكماً إلى الانفجار بالشارع".

حين يضطر الإنسان إلى العمل من الصباح الباكر وحتى المساء، وربما في أكثر من مكان، من دون أن يتمكن من الادخار أو تأمين مستقبل أولاده، تصبح المشكلة أكبر من مجرد انخفاض في الدخل. إنها أزمة تمسّ معنى العمل نفسه، وتطرح أسئلة عن العدالة الاجتماعية وحقوق العامل وقدرته على العيش بكرامة. قد ينجح اللبناني في ابتكار مصادر دخل متعددة، وقد تمنحه مرونته وقدرته على التكيّف فرصة لتجاوز بعض الأعباء، لكن هذه القدرة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لإعفائه من حقه في أجر عادل وحماية اجتماعية حقيقية. فالاقتصاد لا يُقاس بعدد الساعات التي يقضيها الإنسان في العمل فحسب، بل أيضاً بما يتيحه هذا العمل من استقرار وأمان وفرص للحياة. ليس المطلوب أن يعمل اللبناني أكثر كي يعيش، بل أن يتمكن من العيش بكرامة من ثمرة عمله. فحين لا تعود الوظيفة الواحدة تكفي، لا يكون السؤال كيف نطلب من العامل أن يبذل جهداً إضافياً، بل كيف نعيد إلى العمل قيمته، وإلى الأجر قدرته على تأمين الحياة التي يستحقها الإنسان.

شارك الخبر: