الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية: هل تقود السياسة الداخلية الشرق الأوسط إلى حرب أوسع؟


هذا الخبر بعنوان "واشنطن وتل أبيب: من يجر الآخر... إلى ماذا؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتداخل المصالح والسياسات بين واشنطن وتل أبيب، في ظل تحديات داخلية تواجه قيادتي البلدين، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الشرق الأوسط. خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من انتخابات 27 تشرين الأول/أكتوبر أضعف مما كان عليه في 2022، حيث حصل حزب الليكود على 27 مقعداً بدلاً من 32، ولم يتمكن معسكره من تجاوز عتبة الـ 61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة، مما يمنحه قدرة على تعطيل البدائل أكثر من تأليف حكومة. وفي واشنطن، ينتظر الرئيس دونالد ترامب نتائج اقتراع 3 تشرين الثاني/نوفمبر، مع احتمال خسارة مجلس النواب، بينما تبقى معركة مجلس الشيوخ مفتوحة. كلا الزعيمين يواجهان ضغوطاً سياسية داخلية قد تدفعهما إلى توسيع نطاق الصراع في الشرق الأوسط. من الآن وحتى آذار/مارس المقبل، وهو موعد محتمل لانتخابات إسرائيلية جديدة، يصبح السؤال ليس فقط من يحتاج إلى الآخر، بل من يستطيع تحميل شريكه كلفة خياراته.
تمتلك أميركا التفوق العسكري والتمويل والإمداد والغطاء الدبلوماسي، بينما تتمتع إسرائيل بقدرة المبادرة الميدانية وعلاقات قوية داخل النظام الأميركي تجعل كبحها مكلفاً سياسياً. على الرغم من أن القوة موزعة بصورة غير متكافئة، فإن امتلاكها لا يضمن استخدامها. واشنطن أقدر على حسم اتجاه الحرب، بينما تستطيع تل أبيب تعقيد الطريق إلى وقفها. يتجلى هذا في تجربة المقاتلة "لافي"، حيث مولت واشنطن المشروع بنحو 1.3 مليار دولار، لكنها ضغطت لاحقاً لإلغائه خشية منافسة المقاتلات الأميركية في أسواق التصدير، ولم تستطع إسرائيل الاعتراض. كما رفضت إدارة بيل كلينتون مطالب إسرائيلية بالإفراج عن الجاسوس جوناثان بولارد قبل إتمام محكوميته. تكشف هاتان الواقعتان قدرة واشنطن على فرض حدودها، لكن ضبط حرب بدأت أسهل من إلغاء مشروع أو رفض إطلاق جاسوس، خاصة عندما تصبح حماية الحليف عنواناً لاستمرارها.
في المقابل، يُجيد نتنياهو التعامل مع تعدد مراكز القوة الأميركية. خطابه أمام الكونغرس في عام 2015 ضد الاتفاق النووي، بدعم من الجمهوريين، كان محاولة لاستخدام مؤسسة أميركية ضد سياسة مؤسسة أخرى. ورغم أن أوباما مضى في الاتفاق، إلا أن ترامب انسحب منه لاحقاً. لذا، فإن النفوذ الإسرائيلي لا يُختزل في صورة رئيس أميركي يتلقى الأوامر، بل يعمل عبر مصالح متقاطعة وتحالفات حزبية. الأخطر هو التأثير في الخيارات المتاحة قبل اتخاذ القرار. فبضربة إسرائيلية قد تستدعي رداً يهدد القوات الأميركية أو الملاحة الدولية، يجد الرئيس الأميركي نفسه أمام أزمة تتغير فيها كلفة البقاء خارجها، وتصبح حماية الجنود والحلفاء مبرراً للتدخل. هذه آلية محتملة لجرّ واشنطن، لكنها لا تعفيها من المسؤولية، فالرئيس الذي يختار المشاركة يملك قراره حتى عندما يضيق حليفه البدائل أمامه.
الوقائع الراهنة تمنع تصوير ترامب حمامةً يطاردها صقر إسرائيلي. عشية الانتخابات الإسرائيلية، دعا إلى انتخاب نتنياهو و"إنجاز المهمة" التي بدأها الاثنان ضد إيران. وفي الوقت نفسه، أكد البيت الأبيض أنه لن يهاجم إيران قبل الانتخابات النصفية. يبرز هنا حساب التوقيت، فالالتزام بعدم الهجوم قبل الاقتراع لا يستبعد الهجوم بعده. خسارة الجمهوريين لمجلس أو مجلسين ستزيد التحقيقات والمساومات، لكنها لا تسحب من ترامب صلاحياته التنفيذية الواسعة. كما أن ولاية الكونغرس الجديد تبدأ في كانون الثاني/يناير، مما يترك نافذة بين الاقتراع وانتقال السلطة التشريعية قد تغري بفرض وقائع مختلفة. في المقابل، يستطيع الرئيس استخدام المعارضة الجديدة حجةً أمام نتنياهو: للدعم حدود داخلية. أما الافتراض أن أغلبية ديموقراطية ستنتج تلقائياً سياسة سلام، فيخلط معارضة ترامب بمعارضة إسرائيل.
لدى نتنياهو حساب مزدوج أيضاً. قد تساعده مواجهة خارجية في الضغط على خصومه للانضمام إلى حكومة وحدة، لكنها قد تضاعف الاعتراض على قيادته. وقد تمنحه تهدئة بضمانة أميركية وقتاً لإعادة ترتيب ائتلافه. لدى واشنطن حافز أقوى لفرض تهدئة تقنية حتى آذار: تخفيف ضغط الطاقة، وحماية القوات والتجارة، وتسويق إنجاز خارجي وسط المشكلات الداخلية. وتداول مسودة اتفاق عبر الوساطة القطرية، كما أفادت رويترز في 2 تشرين الثاني، يدلّ على وجود مسار تفاوضي، لا على نجاحه. لكن هذا الترجيح يسقط إذا رأى ترامب في ضربة جديدة نصراً سريعاً يعوّض خسارته السياسية، أو إذا فجّر رد إيراني حسابات الطرفين. لطهران ودول الخليج وأوروبا مصالح وقدرة تأثير؛ المنطقة ليست مسرحاً خالياً إلا من رجلين. المعيار العملي هو ما إذا كانت واشنطن ستربط السلاح والمساندة السياسية بالتزام إسرائيلي محدد، وتقبل كلفة تطبيقه. إن فعلت، تستطيع دفع إسرائيل إلى التهدئة. وإن اكتفت بطلب ضبط النفس مع ضمان استمرار الدعم، فإنها تترك لنتنياهو هامش تحديد الإيقاع. وعندئذٍ تصبح عبارة "إسرائيل جرّت أميركا" وصفاً ناقصاً، إذ قد تكون واشنطن قد وافقت على السير ثم اختلفت على سرعة الخطى. أما لبنان والفلسطينيون، فلا تكفيهم معرفة مَن يمسك بالمقود. فقد تنتهي المساومة إلى وقف نار يترك الاحتلال والتهجير بلا حل، ويمنح الطرفين استراحة سياسية. يمكن لواشنطن أن تكون الأقوى، ونتنياهو أن يبقى المستفيد، والمنطقة أن تدفع الثمن. المسألة الحاسمة هي الشروط التي ستُفرض لإنهاء الحرب، ومَن سيُجبر فعلاً على احترامها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة