الذكاء الاصطناعي والمناخ في COP31: هل يتحول الحل إلى مشكلة بيئية؟


هذا الخبر بعنوان "الذكاء الاصطناعي والمناخ في COP31: هل يتحوّل الحلّ إلى جزء من المشكلة؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مؤتمر المناخ COP31، يبرز تساؤل حول الدور المزدوج للذكاء الاصطناعي؛ فبينما يُنظر إليه كحل لمواجهة التغير المناخي، فإن استهلاكه المتزايد للكهرباء والمياه يثير مخاوف بيئية. تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن مراكز البيانات العالمية قد تستهلك حوالي 950 تيراواط/ساعة من الكهرباء سنوياً بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 485 تيراواط/ساعة في عام 2025. ويعود هذا النمو المتسارع بشكل أساسي إلى التوسع الهائل في استخدام الذكاء الاصطناعي. المفارقة تكمن في أن التكنولوجيا التي يُتوقع أن تساعد البشرية في مواجهة التغير المناخي باتت تتطلب كميات متزايدة من الموارد. وبينما تستخدمها الشركات لتحسين كفاءة الطاقة ورصد الانبعاثات والتنبؤ بالظواهر المناخية، تتزايد المخاوف بشأن بصمتها البيئية الخاصة.
قبيل انعقاد مؤتمر المناخ COP31، أطلقت الرئاسة التركية للمؤتمر تعهداً خاصاً بالذكاء الاصطناعي، في محاولة لوضع هذه الصناعة الناشئة تحت مظلة المسؤولية المناخية. لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد برمجيات تعمل في الخلفية، بل أصبح صناعة كثيفة الاستهلاك للموارد، قد تؤثر في أسعار الكهرباء، والاستثمارات في شبكات الطاقة، والطلب على المياه.
أرقام تكشف حجم التحول:
في تقرير صدر في 16 نيسان/أبريل 2026، كشفت وكالة الطاقة الدولية أن استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات ارتفع بنسبة 17% خلال 2025، فيما قفز الاستهلاك في المراكز المتخصصة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 50%. وتتوقع الوكالة أن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات تقريباً بحلول 2030، ليصل إلى نحو 3% من الطلب العالمي على الكهرباء. أما المراكز المخصصة للذكاء الاصطناعي، فقد يتضاعف استهلاكها ثلاث مرات خلال الفترة نفسها. وتترافق هذه القفزة مع استثمارات غير مسبوقة؛ إذ تجاوز الإنفاق الرأسمالي لخمس شركات تكنولوجية كبرى 400 مليار دولار في 2025، وتتوقع الوكالة ارتفاعه بنسبة إضافية تبلغ 75% في 2026. ولم تعد المشكلة مقتصرة على عدد الخوادم، بل تتعلق أيضاً بكثافة استهلاكها؛ فقد ارتفعت كثافة الطاقة في خوادم الذكاء الاصطناعي 11 ضعفاً بين 2020 و2025. وبحلول 2027، قد تصل الحاجة القصوى للطاقة في رف واحد من الخوادم المتطورة إلى مستوى يعادل احتياجات 65 منزلاً من الكهرباء في لحظة الذروة.
هل أصبحت الخوارزميات مصدراً للتلوث؟
تتوقع وكالة الطاقة الدولية تضاعف الانبعاثات المرتبطة بمراكز البيانات، لتبلغ نحو 350 مليون طن في 2035، أي ما يعادل قرابة 2% من انبعاثات قطاع الكهرباء العالمي في ذلك العام. ورغم أن هذا الرقم لا يعني أن الذكاء الاصطناعي سيكون بين أكبر مصادر الانبعاثات عالمياً، إلا أنه يكشف نمواً سريعاً في قطاع يُفترض أن يساعد على خفض البصمة الكربونية. وتختلف التأثيرات باختلاف مصادر الكهرباء؛ فمركز بيانات يعمل بالطاقة المتجددة ليس كمركز يعتمد على الغاز أو الفحم. كما أن التبريد يحتاج إلى موارد مائية، وتتفاوت الكميات المطلوبة بحسب المناخ والتكنولوجيا المستخدمة. وفي المناطق التي تعاني شح المياه، قد يتحول اختيار مواقع مراكز البيانات إلى قضية بيئية واجتماعية. وهناك مشكلة إضافية تتمثل في تصنيع الرقائق الإلكترونية والمعدات، وما يرتبط بذلك من استهلاك للطاقة والمواد الخام.
التكنولوجيا التي تستهلك الطاقة تستطيع توفيرها:
مع ذلك، لا تقدّم وكالة الطاقة الدولية صورة سلبية بالكامل. فقد أظهرت أبحاثها أن استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة قد يخفض تكاليف الطاقة بما بين 3 و10 نقاط مئوية. كما أن التطبيقات المثبتة تقنياً قد توفر أكثر من 13 إكساجول من الطاقة بحلول 2035، بما يعادل نحو 3% من الاستهلاك النهائي العالمي، إذا جرى تجاوز عوائق تبنيها. وتشمل الاستخدامات إدارة شبكات الكهرباء، وتحسين تشغيل المصانع، وكشف الأعطال، وتطوير أنظمة التنبؤ بالطقس وإدارة الطلب على الطاقة. ويعتبر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، أن الذكاء الاصطناعي بدأ يتحول من مجرد مستهلك للطاقة إلى محرك للابتكار في إنتاجها وتخزينها، بما في ذلك المفاعلات النووية الجديدة والبطاريات طويلة الأمد. لكن تحقق هذه الفوائد ليس مضموناً؛ فتحسن كفاءة الخوارزميات قد يترافق مع توسع أكبر بكثير في استخدامها، ما يجعل الاستهلاك الإجمالي يرتفع رغم انخفاض الطاقة المطلوبة لكل مهمة.
تعهّد أنطاليا... خطوة غير كافية؟
في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، رحب معهد الموارد العالمية بإطلاق "تعهّد أنطاليا للذكاء الاصطناعي"، لكنه اعتبر أن الوثيقة الطوعية تفتقر إلى آليات مساءلة كافية. وقال إيفان تاشوفسكي، المسؤول عن البيانات والذكاء الاصطناعي في المعهد، إن التعهّد يعترف بفرص التكنولوجيا وأعبائها البيئية، لكنه لا يتضمن ضمانات واضحة لمشاركة المجتمعات المحلية في القرارات المتعلقة بمراكز البيانات، أو لحماية المياه وجودة الهواء. ودعا المعهد إلى إلزام الشركات بالكشف عن استهلاك الكهرباء والمياه، وتحمل تكاليف تطوير الشبكات التي تتطلبها مشاريعها، والاعتماد على الطاقة النظيفة. وهنا يظهر التحدي الأساسي أمام الحكومات: كيف تستفيد من الاستثمارات الرقمية دون تحميل المجتمع تكاليفها البيئية؟
ماذا يستطيع COP31 أن يغير؟
خصص مؤتمر أنطاليا يوم 16 تشرين الثاني/نوفمبر للعلوم والصناعة والتكنولوجيا، فيما يتضمن برنامجه تعهداً للذكاء الاصطناعي المسؤول مناخياً. لكن الاختبار الحقيقي سيكون في الانتقال من المبادئ الطوعية إلى مؤشرات قابلة للقياس، تشمل استهلاك الكهرباء والمياه والانبعاثات، والشفافية في الإفصاح عنها. كما يمكن أن يصبح تمويل مراكز البيانات بالطاقة النظيفة، وربطها بشبكات أكثر مرونة، جزءاً من معايير الاستثمار المستقبلية.
خلاصة القول:
الذكاء الاصطناعي ليس عدواً للمناخ ولا منقذاً له بطبيعته. فهو أداة قد تخفض الانبعاثات أو تزيدها، بحسب طريقة إنتاج الكهرباء وتشغيل الخوادم واستخدام التكنولوجيا. وما يحتاجه العالم ليس إبطاء الابتكار، بل إخضاع سرعته المتزايدة لحسابات بيئية أكثر صرامة.
اقتصاد
سياسة
تكنولوجيا
تكنولوجيا