لبنان
ثقافة

عباس بيضون: اللغة كائن حي يتشظى ويعود ليُشكّل الذات والجنوب

المدن٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١١:٠٤ ص0 مشاهدة
عباس بيضون: اللغة كائن حي يتشظى ويعود ليُشكّل الذات والجنوب

تنويه

هذا الخبر بعنوان "طرق عباس بيضون وصوته بلا توقف" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في عنوانه اللافت "الطرق تعود معنا"، يواصل الشاعر عباس بيضون استعراض قدرته الفريدة على تحويل الكلمات من معانيها الثابتة إلى حالة من الالتباس المتوتر والدلالات المفاجئة والصادمة. تتجلى في شعره دلالات متقلبة تومض ثم تتلاشى في بحر الاحتمالات، لكنها سرعان ما تضيء ببريقها الشعري وسحريتها المتجددة. لا يقتصر الأمر على الانزياح المعتاد للكلمات نحو الإيحاءات الجديدة، بل يتعداه إلى كسر عنيف للغة وتحطيمها، مما يمنع الشعر من أي تسلسل سردي ويجعل مصدره الشظايا والظلال المهتزة للكلمات.

تبدو الكلمات في قصائده كأشياء حسية يمكن لمسها أو شمّها، قطع غامضة مبعثرة بأحجام وأوزان محددة. تتحرك هذه الكلمات-الأشياء وتتراكب لتشكل صوراً وأجساماً، كما في قوله: "الهتاف اسم بحت للمطرقة / مطرقة مكان الوقت / لعاب لا يعرف كيف يعضّ / ولا كيف يغدو حجراً / النوافذ لا تكفي لحراسة الشوارع". تتجسد العبارات كأنصاب صلدة وأشكال متحولة من الطين والحديد والخشب والأقمشة، أو روائح ومذاقات وأصوات. وبالمثل، تتحول الأفكار المجردة إلى كائنات ملموسة كأثاث البيت أو الأسنان أو الحديقة، بينما تتحول الحجارة إلى أسئلة وجودية مفتوحة: "كلمات صارت أكبر / ونحن نرتجلها بسيقاننا / لقد لحقتنا مع الأحجار / التي دفنّاها تحتها / لحقتنا / وكان علينا أن نقدمها للمستقبل". هنا، لا تهدف الصورة الشعرية إلى تجميل الفكرة، بل إلى توليدها، مما يمنح النص حركة ذهنية قائمة على الاستطراد والقطع والمفاجأة.

لطالما احتفى هذا الأسلوب باللغة المثلومة وكسور الصور، ومزيج التاريخي والشخصي، وجماليات التشكيل البصري، والقفزات إلى مجهول الكلام، المشابهة للمنامات المضطربة أو الذاكرات المبتورة. يبدو كتابه الشعري الجديد، الصادر عن دار رياض الريس، كمختارات من قصائده الكثيرة في السنوات الأخيرة، متصلة بنكبة جنوب لبنان وتجربة الحربين الأخيرتين. هذا الاختيار أخرج عباس بيضون من "مأزق" كان يراه في تكرار قصائده دون اختراق. ففي هذه القصائد، استعاد بيضون نبرته الغنائية الملجمة، المتوترة بين اليومي والفلسفي، والمادي والمجرد، ووضوح العبارة ومراوغة الدلالة. لقد أعادت الحرب للشاعر نبضه وصوته، ومنحته "إدمانه" على الألم وكتابته. كما أن العمر، في الثمانينيات، يحمل صفاء المراجعة ووعورة التذكر وشغف الحياة، ويقف أمام ضخامة ما كتبه على مدى نصف قرن. تشتعل قصائده الجديدة بحرارة موروثه الشعري، وتبدو كصحوة شخصية وإعادة تعريف للذات، واتصال حميم بالمنبت والسيرة الخفية. الجنوب في "الطرق تعود معنا" ليس موضوعاً سياسياً أو حربياً، بل صلة رحم بيولوجية، جنوب مفقود لا تسترد بقاياه سوى اللغة الجريحة والمتقصفة. الجنوب هنا هو الذات، الجسد، اللهجة، الغريزة: "لم نفهم أننا حملنا أنقاضاً في حناجرنا / وأن هناك أحجاراً / تسقط مع كل حرف".

ينادي بيضون رفاق عمره، وضاح شرارة، منذر جابر، أحمد بيضون، حازم صاغية، وغيرهم، ليلملم كينونته ويعرّفها، فالأصدقاء بأسمائهم امتداد لهويته. تكمن جاذبية هذه المجموعة في قدرة بيضون على جعل الأمكنة والبشر كائناً واحداً، حيث الأشياء والأشخاص، الأنا والجماعة، القرية والحجر، البيت وساكنوه، الزارع وشجرته، يتحدون في كيان حيّ يتنفس ويبكي ويتذكر: "لقد ربّتنا في المطبخ الكوانين / وحنفيات المياه / جاءنا العلم من وراء الحيطان / التي تكلمت بعيون زرقاء / منذ خرجنا أشبهنا الدكان / صارت لنا حياة في الحيّ / وبالتأكيد صرنا سكاناً وأهلاً / ولقطاء". إنها طرق عباس بكل مشقاتها ووعورتها، وصولاً بلا نهاية إلى الشعر.

شارك الخبر: