الانتخابات الأمريكية: نهاية حقبة ترامب وبداية تصحيح مسار الغرب التاريخي


هذا الخبر بعنوان "يقظة أميركا واندحار الترامبية: ترامب ونتنياهو ومسار التاريخ" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تعكس نتائج الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة جزءًا أساسيًا من حركة التاريخ الأمريكي، وتكتسب أهميتها من توقيتها وإيقاع الأزمات والحروب التي خاضها دونالد ترامب وسياساته. على الرغم من أن العديد من الرؤساء السابقين قد واجهوا خسارة في مجلسي النواب والشيوخ في النصف الثاني من ولاياتهم، إلا أن هذه المرة تبدو مختلفة جذريًا بانعكاساتها على الداخل الأمريكي، وعالم "الغرب"، والعالم أجمع، وإسرائيل بشكل خاص. فبعد ساعات قليلة من إعلان النتائج، ظهرت مواقف أمريكية تشير إلى أن العلاقة بإسرائيل ودعمها المطلق كانا من الأسباب الرئيسية للخسارة الانتخابية. هذا لا يمكن فصله عن مسار يتعمم في الغرب، خاصة في أوروبا، وفي الأوساط الشعبية الأمريكية، لا سيما الفئات الناشئة التي عبرت عن رأيها في الانتخابات. يمكن البناء على هذا المستقبل في سياق "تصحيح المسار التاريخي للغرب"، هذا الغرب الذي لم يعد يتحمل الإبادة الإسرائيلية في غزة، ولا نظام الفصل والتهجير العنصري الذي تعتمده إسرائيل ليس فقط في فلسطين بل في دول المنطقة ككل، وخصوصًا سوريا ولبنان، بالإضافة إلى رفض عقلية الأبارتهايد التي تتحكم بإسرائيل وأريد لها أن تنسحب على الولايات المتحدة والعالم. ومن المفارقات أن الغرب، في حركته التاريخية والمحاسبة التي تفرضها الشعوب، قادر على تصحيح مساره، كما انعكس في استحقاقات كثيرة من البرازيل وغيرها بخسارة "اليمينيين" في الانتخابات.
يمكن لهذه الانتخابات أن تكون سياقًا في مسار تصحيح التاريخ الأمريكي بالتحديد. فأمريكا، تلك الفكرة التي تحتضن الجميع وتفتح لهم الأفق، لا يمكن أن تكون نقيضة في نظمها وسياساتها لما تدعيه من قيم وأقانيم دستورية. لا يمكنها أن تنعزل عن العالم أو تعزل العالم عنها، ولا يمكنها أن تستمر في انعزالات عنصرية في الداخل. ولا يمكنها أن ترتبط بشخص وحيد فقط، ولا بسياسة متماهية مع دولة واحدة لها مشاكل مع أكثر من نصف العالم كإسرائيل. ما جرى عمليًا هو نهاية لمشروع ترامب الشخصي في مقابل انتصار للمؤسسات الدستورية، بغض النظر عن السياسات. وهذا يشكل فرصة لنهاية "الترامبية" على المستوى العالمي، خصوصًا أن ترامب، بطبعه النزق وطريقة إدارته للحكم والعلاقات الدولية، لا يمكن أن تكون مقبولة في النظم القيمية المختلفة، خصوصًا تلك التي يتحدث عنها ترامب. وجزء من الأثمان التي دفعها الحزب الجمهوري هي تصرفات ترامب وأثر تعاطيه مع حلفاء أمريكا التقليديين، خصوصًا أوروبا، إضافة إلى مساهمته في هز مرتكزات النظام القائم. كما كان لديه طموح شخصي لتقاسم "العالم مع أقوياء"، وتحديدًا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ. خسارة ترامب لمشروعه الشخصي لا تعني انتهاء الأثر الكامل للترامبية، الذي سيبقى حاضرًا في سياسة الحزب الجمهوري للمستقبل، في إطار اليمين الشعبوي الأمريكي الذي سيبقى موجودًا.
لا يمكن لما شهدته أوروبا بين اليساريين والمهاجرين في مواجهة اليمين المحافظ أن يكون منفصلاً عما لاقته الولايات المتحدة الأمريكية. فلا يمكن لشعبها أن يكون على مسافة بعيدة من القيم أو الاتجاهات الأوروبية، مع الإشارة إلى رفض فكرة ترامب في اختزال العالم بين أقوياء، والذهاب إلى التفاهم مع روسيا والصين على حساب الدول الأخرى ومصالحها والمشتركات التاريخية التي ترتكز عليها علاقة الولايات المتحدة مع أوروبا وما بين الشعبين.
تلحظ النتائج تغيراً سياسياً وديمغرافياً كبيراً جداً، وهو ما يظهر حجم التحول في الرأي العام الأمريكي. فالنسبة الأكبر من المقترعين هم من فئة الشباب، وهم في غالبيتهم منحوا أصواتهم للديمقراطيين. فهؤلاء هم مستقبل أمريكا، ما يعني أنهم سيستمرون على توجهاتهم بالحد الأدنى لعشرين وثلاثين عامًا. وهذا ما يمكن المراهنة عليه داخل الغرب في إطار تأطير الصلة بين الشرق والغرب، ورفض الحروب، والاتجاه نحو إنصاف أكثر للمهاجرين ولديهم تعاطفهم مع قضايا منطقة الشرق الأوسط. وهؤلاء الشباب وطلاب الجامعات هم الذين قادوا التظاهرات وتفاعل معهم الرأي العام في رفض الإبادة الممنهجة التي ترتكبها إسرائيل في غزة، ورفضوا الدعم الأمريكي المطلق لها في مشروعها هذا. وقد خرج من بينهم كثر، من زهران ممداني إلى عبد الرحمن السيد، في تعبير عن مسار يحفظ التوازن الغربي والتنوع الذي يتيحه هذا الغرب وخصوصًا أمريكا. وهم، كما يقول عزمي بشارة، من الذين سيساهمون في إنقاذ العالم الغربي ومستقبله سياسيًا وأخلاقيًا من كل الانهيارات التي سيُقاد إليها بفعل سياسات الانعزال أو العنصرية.
العنصرية التي دفعت إسرائيل إلى رفض نتائج الانتخابات والتصويت المرتفع للمجتمع العربي، وصولاً إلى اتهام قطر وعزمي بشارة بالدفع نحو رفع نسبة التصويت لدى العرب. وقد استكمل الإسرائيليون معركتهم هذه بتوقيف الصحافي عبد أبو شحادة فقط لأنه زار قطر وأجرى مقابلة مع بشارة وضعها الإسرائيليون في سياق تحفيز العرب على المشاركة الكثيفة في الانتخابات. المنطق نفسه يستخدمه ترامب ضد المهاجرين بمنطق عنصري كامل، من دون إغفال حربه أو صراعه المفتوح مع وسائل الإعلام غير المؤيدة له. وهنا لا بد من العودة إلى ما يقوله عزمي بشارة في هذا المجال: "إن خسارة إسرائيل هيمنة خطابها في الغرب، هو التحول الأهم الذي يجب الحفاظ عليه، وتحويل موجة التضامن من تضامن إنساني مع الضحايا ونفور من الوحشية الإسرائيلية إلى تضامن سياسي لا يتوقف عند خطة لوقف الحرب تشمل كل الشروط الإسرائيلية من دون حل عادل لقضية فلسطين". وهنا تكمن المعركة الفعلية في مواصلة تغيير الرأي العام الغربي تجاه فلسطين وتجاه كل القضايا العربية.
من أكبر الخاسرين من نتائج الانتخابات هو بنيامين نتنياهو بالتحديد وإسرائيل من خلفه. وإن لم تنعكس الخسارة على المدى القصير، فالتأسيس لها قد حصل على المدى البعيد، سواء في مراجعة الولايات المتحدة الأمريكية لعلاقتها بإسرائيل، وإعلان ترامب نفسه عن إلغاء الدعم السنوي، إضافة إلى اضطرار منظمة AIPAC، أي اللوبي الصهيوني الفاعل في أمريكا، إلى وقف الدعم العلني للمرشحين الذين لم يعد من مصلحتهم الإعلان عن تلقيهم الدعم من المنظمة الصهيونية. كما أن النتائج سيكون لها أثر على الداخل الإسرائيلي، على المدى المتوسط والبعيد بالتأكيد. أما على المدى القصير، فلا بد من انتظار مصير نتنياهو وإذا كان سيتمكن من نيل التكليف بتشكيل الحكومة، أم أن أيزنكوت سينجح بتشكيل حكومته بعد تكليفه، وهذه ستكون عبارة عن تحول، ستتبعه تحولات أخرى.
ستفرض نتائج الانتخابات الأمريكية كثيراً من الأسئلة حول آلية عمل دونالد ترامب، فهو الذي حمل مشروع السيطرة الأمريكية على مصادر وممرات الطاقة، وهو يريد استكمال مشروعه بالمعنى الاستراتيجي، لكنه في المقابل غير قادر على تخفيض أسعار المشتقات النفطية. وهي الأسعار التي انعكست أزمات داخل أمريكا وكان لها أثر فعلي على التصويت بفعل ارتفاع نسبة التضخم، إلى جانب رفض الأمريكيين لعودة عصر الحروب. ولتخفيض أسعار المشتقات النفطية، سيبقى في حاجة ماسة إلى فتح هرمز. ذلك يحتاج إلى اتفاق، أو أن تتمكن الولايات المتحدة من فتحه بالقوة في حرب كبيرة تشنها. في المقابل، حتى وإن أراد ترامب تجديد الحرب، فلن يكون بمقدور أي إدارة أمريكية الإقدام وحدها على شن حرب على إيران، فهي تريد شركاء، أولهم وأهمهم إسرائيل. هنا لا بد من النظر إلى حسابات الإسرائيليين ونتنياهو بالتحديد. نتنياهو هو أكثر المستعجلين لخوض الحرب وتحقيق ما يعتبره إنجازاً ضد إيران. لذلك يبقى تقدير الأمور في غاية الصعوبة نظراً إلى حجم المتغير، وللظروف القائمة، خصوصاً أن كلا الرجلين، أي ترامب ونتنياهو، في مأزق، وقد يسعيان للخروج منه بالحرب، قبل حسم مصير نتنياهو بخروجه من رئاسة الحكومة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة