لبنان
ثقافة

الروائية السودانية آن الصافي: الذكاء الاصطناعي وتحديات البصمة الإبداعية في عصر الخوارزميات

النهار٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٥:٥٠ ص0 مشاهدة
الروائية السودانية آن الصافي: الذكاء الاصطناعي وتحديات البصمة الإبداعية في عصر الخوارزميات

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الروائية السودانية آن الصافي: كيف نحفظ بصمة الكاتب في عصر الخوارزميات؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تستكشف الروائية السودانية آن الصافي، بخلفيتها الهندسية ورؤيتها ككاتبة، العلاقة المتنامية بين الإبداع البشري والذكاء الاصطناعي. تتناول الصافي تجربتها في استخدام الذكاء الاصطناعي لإعادة الصياغة، وتطرح تساؤلات جوهرية حول حدود الشراكة بين الإنسان والآلة، ومسؤولية المؤلف تجاه قارئه، وقيمة التجربة الإنسانية في منح النص معناه العميق. تدرك الصافي قدرات الآلة، لكن ما يشغلها حقًا هو الجانب الإنساني الذي يضفيه الكاتب على عمله. تتشكل علاقتها بالكتابة بين خلفيتها في هندسة الكمبيوتر ورواياتها، في عالم تتغير فيه الأدوات باستمرار، بينما تظل الأسئلة الأساسية حول الإنسان: كيف يعيش؟ كيف يتواصل؟ وما هو الأثر الذي يتركه؟

الكاتبة السودانية، التي تخرجت من أكاديمية الشعر في أبوظبي، بدأت مسيرتها الروائية عام 2014 برواية "فُلك الغواية"، تبعتها أعمال أخرى مثل "جميل نادوند"، و"توالي"، و"قافية الراوي"، و"كما روح"، و"إنه هو"، و"مِرهاة"، و"خبز الغجر". بالإضافة إلى إنتاجها الروائي، أصدرت كتاب "الكتابة للمستقبل" في جزأين عامي 2016 و2017.

في لقاء مع صحيفة "النهار" على هامش معرض الشارقة الدولي للكتاب، بدعوة من جمعية الإمارات للإبداع، تحدثت الصافي عن حدود الاستعانة بالذكاء الاصطناعي وتأثير الخوارزميات على الصوت الشخصي للكاتب. تركز النقاش على مسألة المسؤولية: من يوقع النص؟ وما مدى معرفته بالمحتوى الذي ينسبه لنفسه؟ شاركت الصافي تجربتها الشخصية، حيث استعانت بـ"شات جي بي تي" في إعادة صياغة بعض فقرات أحد كتبها، وذكرت ذلك بوضوح في المقدمة. هذا التفصيل يعكس استعدادها للتجريب مع التأكيد على ضرورة إعلام القارئ بحدود هذه الاستعانة.

مشروع "الكتابة للمستقبل" الذي تتبناه الصافي يتجاوز مجرد توقع ما سيأتي، إلى الاستعداد لفهمه. ترى الصافي أن الثقافة العلمية أصبحت أداة أساسية للكاتب، تمكنه من فهم التحولات التي تؤثر على شخصياته وقرائه وحياته. تستعيد الروائية السودانية التحولات التاريخية في وسائل التعبير البشري، من الرسم والنقش إلى الحرف والطباعة، وصولاً إلى البيئة الرقمية وتوليد النصوص الآلي. كل انتقال كان مصحوبًا بمخاوف وتساؤلات حول تأثيره على البشر. لذا، تدعو إلى فهم التقنيات الجديدة، وتعلم استخدامها، ومساءلتها بالمعرفة. تستحضر الصافي تجربة بدايات التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي، التي قوبلت بالارتياب قبل أن تصبح جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية. وتدعو إلى وقفة مماثلة تجاه الذكاء الاصطناعي: ما الذي نعرفه عنه؟ كيف نوظفه لصالحنا؟ وأين نضع الحدود؟

تشبه الصافي علاقة الكاتب بالذكاء الاصطناعي بعلاقة الطبيب بأدواته المتطورة. فبينما تساعد التقنية الجراح على تحقيق دقة أكبر، تظل خبرته ومسؤوليته هما الأساس. وبالمثل، يمكن للكاتب توسيع أدواته الإبداعية، لكن عليه أن يدرك ما يطلبه من هذه الأدوات وما يقبله من نتائجها. عندما تستخدم الصافي الذكاء الاصطناعي، تحدد مهمته في المساعدة على إعادة الصياغة، وقد ذكرت ذلك في مقدمة كتابها. هذه الواقعة تضع قضية المصداقية في صلب النقاش: ما مدى تدخل الأداة؟ وما هي المساحة التي عمل فيها المؤلف بنفسه؟ هل اقترحت الأداة عنوانًا؟ هل أعادت ترتيب جملة؟ أم ولّدت نصًا كاملاً اكتفى صاحبه بوضع اسمه عليه؟ هنا، يصبح الإفصاح جزءًا أساسيًا من العلاقة مع القارئ. تطالب الصافي بأن يكون الكاتب قادرًا على شرح منهجيته في العمل وتحمل مسؤولية ما ينشره. وينطبق هذا على النصوص النقدية أيضًا، حيث يمكن الاستعانة بالتطبيقات لاستكشاف قراءة أو مقاربة، ثم يأتي دور الناقد في الفحص والمناقشة.

تتوقف الصافي عند قدرة التطبيقات على إنتاج نصوص طويلة بسرعة، حيث يمكن للمستخدم تحديد عناصر القصة ثم تلقي مادة روائية في دقائق. ومع ذلك، ترى أن سرعة الإنتاج تفتح امتحانًا آخر: ماذا سيفعل الكاتب بهذه المادة؟ قد تبدأ بعدها عملية إعادة كتابة تستمر لأشهر أو سنوات، يراجع فيها المؤلف المشاهد، ويغير زوايا النظر، ويحذف ما يراه زائدًا، ويضيف من معرفته وتجربته. في هذه العملية تتضح مساهمته وقدرته على تحويل المقترح إلى عمل يحمل رؤيته الخاصة. تهتم الصافي بما يحذفه الكاتب بقدر اهتمامها بما يضيفه، فالاختيار موقف جمالي يعكس رؤيته. تنتقل المناقشة من وفرة الإنتاج إلى قيمته، وتطرح أسئلة حول الجديد الذي تقدمه الأعمال، والمعايير التي نقرأ بها، وقدرتها على البقاء في الذاكرة.

تستند خصوصية الكتابة، في تصور الصافي، إلى حياة صاحبها: ذاكرته، ألمه، وعيه، قراءاته، والبيئة التي شكلت نظرته. بينما تستطيع الأداة إنتاج لغة ومحاكاة أنماط أسلوبية، فإن الكاتب يضيف إلى اللغة خبرة عاشها ومعنى يريد التعبير عنه. تشبه ذلك بمشهد قطار يغادر محطة؛ يمكن للجميع وصفه، لكن النصوص ستختلف بناءً على تجاربهم وذكرياتهم. من هنا، تتحدث عن البصمة التي تسمح بالتعرف إلى بعض الكتاب من نصوصهم، وهي تتكون عبر تراكم التجربة والقراءة والعمل على اللغة. يعود السؤال إلى ما يبحث عنه القارئ في النهاية: التواصل الوجداني مع شخص قد لا يعرفه، لكنه يجد في نصه ما يلامس روحه.

تؤكد الصافي على أهمية التحقق عند الانفتاح على الذكاء الاصطناعي. تروي تجربتها عندما طلبت قصة في بيئة محددة، فتبيّن أن المادة المقدمة تعود لكاتب آخر. تستحضر هذه الواقعة للتساؤل عن تبعات نشر نص باسم مستخدم التطبيق. فالاطمئنان إلى الإجابة لا يعفي المؤلف من فحص مصدرها والتحقق من المعلومات والتحيزات واحتمالات التعدي على أعمال الآخرين. تدعو إلى مواكبة التحول التقني بنقاش حول الملكية الفكرية والأصالة والشفافية. ترى أن معرفة الكاتب بأدوات العصر تمكنه من إدراك حدودها، وتمنحه قدرة أكبر على مساءلة ما تنتجه.

تجمع الصافي بين خبرتها التقنية والأدبية، مما يمكنها من الاقتراب من التكنولوجيا وطرح أسئلة حول ما تضيفه إلى الإنسان. يبقى السؤال المفتوح الذي تطرحه على القارئ: إذا كان إنتاج النص ممكنًا في دقائق، فما الذي يدفعنا إلى التوقف عند نص معين، والعودة إليه، وحمله معنا في الذاكرة؟

شارك الخبر: