شعار 'من يحرّر يقرّر': تحليل نقدي لإقصاء الآخر وتهميش الرأي المخالف في سوريا


هذا الخبر بعنوان ""من يحرّر يقرّر"... خطاب إقصاء الآخر وإلغاء الرأي المخالف" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تحت شعار 'من يحرّر يقرّر'، يتجلى خطاب إقصائي يلغي الرأي الآخر ويحتكر القرار السياسي، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المشاركة وحقوق المواطنين في سوريا بعد سقوط نظام الأسد. في عهد حافظ الأسد، لم تكن الساحة السياسية السورية تشهد تعددية حقيقية، بل كانت مجرد واجهة شكلتها 'الجبهة الوطنية التقدمية' التي ضمت أحزاباً ذات تاريخ سياسي وقواعد شعبية في السابق. استطاع الأسد استقطاب قيادات هذه الأحزاب عبر تقديم منافع ومكاسب سياسية محدودة، دون منحهم أي شراكة فعلية في صنع القرار. كان القرار في السياسات الدفاعية والخارجية والداخلية حكراً على الأسد وحلقة ضيقة جداً حوله، بينما كان حزب البعث يتولى إدارة الحياة السياسية الداخلية وتنفيذ توجهات السلطة على كافة الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. أما المعارضة الوطنية الداخلية، فقد كان صوتها محاصراً ومقيداً بالضغوط الأمنية، وإن تمكن بعض أفرادها من استغلال هوامش ضيقة لانتقاد سياسة أو الاعتراض على توجه معين.
مع سقوط النظام، برز شعار 'من يحرّر يقرّر' ليثير استياء شريحة واسعة من السوريين. يبدو وكأن الفضل في إسقاط نظام الأسد يعود حصراً للقوى التي خاضت عملية 'ردع العدوان' وصولاً إلى دخول دمشق وهروب بشار الأسد إلى روسيا. تم اختزال مسار طويل من النضال والتضحيات في المشهد العسكري الأخير، واستُخدمت نتيجته لتبرير احتكار القرار السياسي. لا يمكن إنكار الدور الحاسم للقوى التي حسمت المواجهة عسكرياً، لكن إسقاط النظام لم يكن وليد تلك اللحظة وحدها، بل كان ثمرة تراكمات امتدت قرابة خمسة عشر عاماً، شاركت فيها شرائح واسعة من السوريين وقدمت تضحيات متنوعة. ساهمت هذه التراكمات في إنهاك النظام وتفكيك بنيته، مما سهّل الوصول إلى دمشق دون مقاومة تُذكر. كان النظام في لحظاته الأخيرة أشبه بثمرة ناضجة على شجرتها، تنتظر الهزة التي تسقطها؛ لكن نضج لحظة السقوط كان حصيلة سنوات، لا أيام.
تكمن المشكلة الأساسية في شعار 'من يحرّر يقرّر' في تحويل الدور في إسقاط الاستبداد إلى سند لاحتكار السلطة بعده. فعملية التحرير لا تمنح أصحابها ملكية البلد، ولا تجعل بقية المواطنين ضيوفاً في وطنهم ينتظرون الإذن للمشاركة في تقرير مستقبله. يزداد خطر هذا الشعار حين يُستخدم في مواجهة أي نقد لممارسات السلطة أو إقصائها للآخرين واستفرادها بالقرار. فما إن يُطرح اعتراض، ولو محدود، حتى يتعرض صاحبه لحملات هجوم وتشهير، وتُطلق عليه تصنيفات جاهزة مثل 'فلول'، أو 'هجري'، أو 'قسدي'. يحلّ التشكيك في النيات والولاءات محلّ مناقشة الرأي والحجة، وقد يمتد التشهير إلى تداول مواد مفبركة لتشويه سمعة المنتقدين.
للأسف، ترسّخ لدى بعض الناس والناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي انطباع بأن كل من ينتقد السلطة الجديدة يرغب في عودة النظام الساقط. هذه مساواة ظالمة تُفرغ النقاش العام من معناه. فرفض الاستبداد السابق لا يفرض الصمت عن أخطاء الحاضر، والتمسك بالتغيير يقتضي الدفاع عن حق النقد، لا التخلي عنه. القرار حقّ للسوريين جميعاً، يمارسونه عبر مشاركة سياسية تقوم على الاعتراف المتبادل والمساواة في المواطنة، ومن خلال مؤسسات تتيح لهم التأثير في السياسات ومحاسبة من يتولون المسؤولية. لا يجوز اختزال هذا الحق في فئة تريد، باسم التحرير، أن يكون القرار لها وحدها. من هنا، ينبغي التخلي عن هذا الشعار ومواجهة منطقه الإقصائي بالنقاش العام، مع المساءلة القانونية عن أي تحريض أو تهديد أو تشهير يرافق استخدامه، في إطار يحمي حرية التعبير ولا يتحول بدوره إلى أداة لإسكات المخالفين. المطلوب هو إنهاء الإقصاء، لا استبدال إقصاء بآخر.
لقد قدم السوريون تضحيات متفاوتة، لكن حقوقهم لا تُقاس بحجم ما قدمه كل منهم، ولا بقربه من القوى المنتصرة. بناء البلد لن يستقيم بالاستقواء بالسلطة، بل بالاعتراف بحق الجميع في حياة كريمة وآمنة، دون تمييز أو إقصاء. والمفارقة المحزنة هي أن هذا الشعار لم يُسمع من مسؤول في الدولة، بل من قبل من يتبنونه ويدافعون عنه في الشارع وعلى وسائل التواصل، ومن مؤثرين يقيم بعضهم خارج سوريا. يتطوع مواطنون لتبرير تقييد حقهم وحق غيرهم في المشاركة، بينما يُفترض أن يفتح سقوط الاستبداد المجال أمام الجميع. من يحرّر يستحق التقدير، أما من يقرّر مستقبل سوريا فهم السوريون جميعاً.
سياسة
سياسة
عاجل
سياسة