بيروت بين الأرقام الرسمية ومخاوف المواطنين: تراجع السرقات لا يطمئن الشارع


هذا الخبر بعنوان "عمليات السلب في بيروت: تراجع الأرقام لا يلغي خوف المواطنين" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتسع الفجوة بين المؤشرات الأمنية الرسمية وشعور المواطنين بالأمان في شوارع بيروت. فبينما تظهر الأرقام المسجلة لدى الأجهزة الأمنية تراجعاً في إجمالي عمليات السلب، فإن روايات المواطنين عن حوادث يتعرضون لها في الطرقات والأحياء تطرح تساؤلات حول طبيعة الجرائم ومناطق انتشارها، ومدى انعكاس الإحصاءات العامة على الواقع اليومي. في بيروت، قد لا يحتاج الأمر أحياناً إلى أكثر من نفق ضعيف الإنارة، أو دراجة نارية بلا لوحات، أو مسلح يعترض طريق مواطن عائد إلى منزله، حتى يتحول مشوار عادي إلى تجربة بوليسية مقلقة.
اجتماعات أمنية واعتراضات في الشارع
وحِيال شكاوى المواطنين والتفاعل مع أخبار السرقات، عقد وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار اجتماعاً موسعاً في ثكنة أميل الحلو، مقر قيادة شرطة بيروت، ضم اللواء رائد عبدالله، والعميد عماد الجمل، والعميد محمود قبرصلي، للبحث في الوضع الأمني في العاصمة والتدابير المطلوبة لتعزيز الإجراءات الميدانية وإعادة توزيع الدوريات. وفي موازاة التحركات الرسمية، برزت دعوات إلى وقفة احتجاجية سلمية أمام مدخل وزارة الداخلية في الصنائع، تحت شعار: "أمن الناس مش لعبة... كفى سرقات وفلتاناً أمنياً". كما أصدرت جمعية "بيريت"، برئاسة خالد عانوتي، بياناً انتقدت فيه ما وصفته بالعجز عن توفير الأمن الاستباقي، وطالبت باستقالة وزير الداخلية، معتبرة أن معالجة الأزمة تتطلب أيضاً التوقف عند الظروف الاجتماعية التي تدفع بعض الشباب نحو الجريمة.
نفق شاتيلا: سلب تحت تهديد السلاح
لم تكن رحلة عمر رحال، عند الساعة العاشرة والنصف ليلاً، سوى محاولة لنقل خطيبته من مكان عملها. لكن الطريق عبر نفق شاتيلا، الواصل بين قصقص وطريق المطار، تحول إلى محطة تعرض خلالها لعملية سلب. يروي عمر لـ"المدن" تفاصيل الحادثة، قائلاً: "فوجئت بدراجتين ناريتين تحاصرانني. الأولى كان على متنها شابان، والثانية يستقلها شاب استل سلاحه فوراً ووجهه نحو وجهي، مهدداً وباحثاً عما أحمله". لم تنجح محاولته في الإفلات من المعتدين، الذين استولوا على دراجة شقيقه النارية وهاتفه المحمول ومبلغ 450 دولاراً. ولا تقتصر انتقادات عمر على المعتدين، بل يلفت إلى ضعف الإنارة في النفق، معتبراً أن البلدية ووزارة الأشغال تتحملان مسؤولية معالجة هذه المشكلة، فيما يطالب وزارة الداخلية بتسيير دوريات أمنية أكثر انتظاماً في المنطقة، ولا سيما خلال ساعات الليل.
بين روايات المواطنين وبيان قوى الأمن
جاءت الحادثة في سياق تداول أخبار عن تنفيذ ست عمليات سلب متتالية في بيروت خلال 45 دقيقة، ما أثار حالة من القلق بين المواطنين، ودفع شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي إلى إصدار بيان توضيحي. واعتبرت قوى الأمن أن الأخبار المتداولة "مبالغ فيها وغير دقيقة"، موضحة أن بيروت لم تشهد ظهر الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر 2026 سوى عملية سلب واحدة في منطقة الطريق الجديدة. وفي سياق عرض الإجراءات الأمنية، أشارت المديرية إلى تمكن مفرزة استقصاء بيروت، عند الساعة الرابعة فجراً، من توقيف شخصين في محلة الأشرفية، على جادة بيار الجميل، بالجرم المشهود، وهما من أصحاب السوابق القضائية، لبناني وفلسطيني، كانا على متن دراجة نارية من دون لوحات، وضُبطت بحوزتهما مادة حشيشة الكيف. وأُحيلا إلى القضاء المختص. وختمت قوى الأمن بيانها بدعوة المواطنين ووسائل الإعلام إلى توخي الدقة وعدم تداول أخبار من شأنها إثارة الخوف والبلبلة. لكن توضيح قوى الأمن بشأن عدد العمليات المتداولة لا يلغي الحاجة إلى التوقف عند الحوادث التي يتحدث عنها المواطنون، ولا سيما تلك التي تستهدف الأفراد مباشرة. كما أن توقيف شخصين في الأشرفية لا يكفي وحده لتحديد ما إذا كانت هناك صلة بين هذه القضية والعمليات الأخرى المتداولة.
أرقام السلب: تراجع عام وتفاوت بين المناطق
في المقابل، تظهر البيانات الرقمية الرسمية التي حصلت عليها "المدن"، تراجعاً في إجمالي عمليات السلب المسجلة من 527 إلى 493 عملية، أي بانخفاض يبلغ نحو 6.4 في المئة. لكن توزيع هذه العمليات على المناطق يكشف تفاوتاً في اتجاهاتها. فقد سجل جبل لبنان ارتفاعاً من 174 إلى 200 عملية، فيما تراجعت الأرقام في بيروت من 183 إلى 131 عملية. وفي الشمال، انخفضت العمليات من 96 إلى 85، بينما ارتفعت في البقاع من 57 إلى 60، واستقرت في الجنوب عند 17 عملية في الفترتين. وتظهر الأرقام أن بيروت سجلت تراجعاً لافتاً في عدد عمليات السلب، مقابل ارتفاعها في جبل لبنان، الذي بات يسجل العدد الأكبر من الحوادث ضمن المقارنة المعروضة. أما على مستوى نوعية عملية السلب، فتظهر البيانات تراجع عمليات سلب الأشخاص من 344 إلى 291، في مقابل ارتفاع سرقة الدراجات النارية من 118 إلى 150 عملية. كذلك تراجعت سرقة السيارات من 26 إلى 21 عملية، وسرقات المنازل من 20 إلى 18، والمؤسسات من 19 إلى 10 عمليات، فيما سُجلت ثلاث حالات ضمن فئة المواشي في الفترة الأخيرة. وتكشف هذه الأرقام أن التراجع الإجمالي لا ينسحب على جميع أنواع السرقات والمناطق بالوتيرة نفسها. فبينما انخفضت عمليات سلب الأشخاص وسرقات السيارات والمنازل والمؤسسات، ارتفعت سرقة الدراجات النارية، كما سجل جبل لبنان والبقاع ارتفاعاً في عدد العمليات. لا يمكن قراءة الوضع الأمني من خلال الرقم الإجمالي وحده، بل ينبغي التوقف عند طبيعة السرقات وتوزيعها الجغرافي، إلى جانب الشكاوى التي يتقدم بها المواطنون والحوادث التي لا تنعكس بالضرورة فوراً في المؤشرات الإحصائية. بين الأرقام الرسمية التي تظهر تراجعاً في إجمالي عمليات السلب، والتفاوت في توزعها بين المناطق وأنواع الجرائم، وشكاوى المواطنين من تعرضهم لعمليات سلب في الطرقات والأحياء، تبقى الثقة بالإجراءات الأمنية التحدي الأساسي أمام الجهات المعنية. فالمطلوب لا يقتصر على تسجيل تراجع في المؤشرات، بل يتصل أيضاً بتعزيز الحضور الأمني في النقاط التي تشهد حوادث، وتحسين الإنارة، وملاحقة المرتكبين، وتقديم صورة واضحة عن طبيعة الجرائم واتجاهاتها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة