لبنان
سياسة

جنوب لبنان: منازل على مرمى البصر لكن العودة إليها مستحيلة وسط الخوف

النهار٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٠:٥٠ ص0 مشاهدة
جنوب لبنان: منازل على مرمى البصر لكن العودة إليها مستحيلة وسط الخوف

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حين تصبح العودة في جنوب لبنان بعيدة المنال: "بيتي على بُعد أمتار ولا أجرؤ على العودة إليه"" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في جنوب لبنان، لم تعد المسافة إلى الحياة الطبيعية تُقاس بالأمتار، بل بالقدرة على استعادة المنازل المدمرة. تقول فاتن كحيل: "بيتي على بُعد أمتار، لكنّي لا أجرؤ على العودة إليه. أدفع إيجار منزل آخر وأراه أمامي كلّ يوم، فيما أخشى أن أخسر بيتي وحياتي إن حاولت الوصول". بهذه الكلمات، يلخّص سليم يزبك مأساة عائلات في دير ميماس اضطرت إلى ترك منازلها دون مغادرة البلدة. فمنزله، الواقع عند أطراف البلدة بالقرب من مواقع القوات الإسرائيلية، لا يزال قائماً، لكن الوصول إليه بات محفوفاً بالمخاطر. المسافة القصيرة بين البيت الذي تركه والمسكن الذي استأجره في البلدة تحولت إلى حاجز يفصل عائلته عن حياتها السابقة. لا تقتصر معاناة سليم على أعباء الإيجار في ظلّ الظروف الاقتصادية الصعبة، بل تتجاوزها إلى رؤية منزله أمامه دون أن يتمكن من دخوله، مما يجعل القرب سبباً إضافياً للحسرة بدلاً من الطمأنينة.

في دير ميماس، وبرج الملوك، وشبعا، وكفرشوبا، وحلتا، وبلدات أخرى في قضاءي مرجعيون وحاصبيا، تتوزّع المعاناة بشكل متفاوت. فبينما يتمكّن بعض السكان من متابعة شؤونهم اليومية، يواجه آخرون قيوداً ومخاطر تحول دون وصولهم إلى منازلهم وأراضيهم. البقاء في البلدة لا يعني بالضرورة عودة الحياة إلى طبيعتها، إذ تعيق السواتر الترابية حركة المرور على بعض الطرق، وتجعل الأخطار الأمنية المرتبطة بالقرب من مواقع القوات الإسرائيلية التنقل مجازفة.

يمتدّ هذا الواقع إلى الأراضي الزراعية، حيث يواجه بعض أصحابها صعوبة في بلوغ حقولهم للاعتناء بأشجار الزيتون وجني محاصيلهم، مما يهدد مصدراً أساسياً للدخل. تتراكم الأعباء بين كلفة السكن الإضافي واحتمال خسارة الموسم الزراعي، وتتراجع قدرة السكان على الاعتماد على مواردهم المحلية.

في ظلّ هذه الظروف، تجد البلديات نفسها مسؤولة عن خدمة جميع السكان، لكن الأخطار الأمنية وصعوبة الوصول تحدّ من قدرتها على التحرك والاستجابة. يصبح الحفاظ على الخدمات الأساسية، من المياه إلى البنى التحتية، مهمة شاقة، إذ تحولت الطرق نفسها مصدراً للخطر. في كفرشوبا مثلاً، يبرز تحدي الوصول إلى مضخة مياه خارج البلدة بعد انقطاع الكهرباء التي كانت تغذّيها. اضطرّ مسؤولون بلديون إلى التصرف لإيصال الوقود وإعادة تشغيلها. يقول رئيس المجلس البلدي قاسم قادري: "ليس لدينا خيار آخر، علينا أن نذهب إلى هناك".

يتحدث الموظف البلدي محمد الحاج عن تردد السكان في الوصول إلى أراضيهم، موضحاً أن الخوف لا يرتبط بالضرورة بوجود منع رسمي، بل بالغموض المحيط بمكان الخطر وحدوده. وتقول فريال عبد العال، من سكان كفرشوبا: "لا نعرف متى يدخل الجيش الإسرائيلي بيوتنا. لا أمان". وتوضح رئيسة بلدية دير ميماس تانيا برنابا أن الوصول إلى بعض المنازل أو القرى المجاورة يفرض سلوك طرق طويلة بدلاً من استخدام الطرق الأقرب.

لا تقتصر التداعيات على التنقل والخدمات الأساسية، بل تطال النشاط الاقتصادي أيضاً. ففي مرجعيون، اضطر زياد إلى إقفال صيدليته بسبب قربها من موقع عسكري إسرائيلي، مما يحد من قدرة السكان على الحصول على خدمات يحتاجون إليها في محيطهم.

في جنوب لبنان، لا تُقاس المسافة إلى الحياة التي عرفها الناس بالأمتار، بل بقدرتهم على استعادتها. فحين يصبح المنزل مصدر قلق بدلاً من أن يكون ملاذاً، وتتحوّل الأرض التي ورثتها العائلات عن آبائها إلى مكان يتعذّر الوصول إليه، لا تعود الخسارة محصورة بما تضرّر أو فُقد، بل تمتدّ إلى ضرب الإحساس بالأمان والقدرة على التخطيط للغد. وبين ما يحتفظ به الناس من ارتباط بقراهم وما تفرضه الأخطار على يومياتهم، يبقى السؤال الأصعب معلقاً: كيف يمكن للإنسان أن يستعيد حياته، فيما لا يزال يشعر بأنه غريب عن المكان الذي ينتمي إليه؟

شارك الخبر: