العقوبات الأمريكية على إيران: هل نفدت خيارات واشنطن لـ"خنق" طهران؟


هذا الخبر بعنوان "حرارة العقوبات تشتدّ... ماذا بقي لأميركا كي تخنق إيران؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتصاعد حدة العقوبات الأمريكية على إيران، حيث توعدت واشنطن بفرض أشد العقوبات في التاريخ، مما يثير تساؤلات حول ما تبقى من خيارات أمريكية لاستهداف الاقتصاد الإيراني. فبعد استهداف قطاعات حيوية مثل النفط والمصارف، تتجه الأنظار نحو الأطراف التي تمنح إيران متنفسًا اقتصاديًا، خاصة في الصين ودول الجوار.
تستعد واشنطن لفتح جبهة اقتصادية جديدة ضد إيران، بعد تعهد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بسنت بفرض "أشد العقوبات في التاريخ". تهدف هذه الخطوة، التي يريدها البيت الأبيض مكملة للحصار البحري، إلى اختلافها عن موجات "الضغط الأقصى" السابقة. لكن السؤال المطروح هو ما الذي تبقى فعليًا لتفرضه الولايات المتحدة على إيران، بعد أن طالت العقوبات معظم قطاعاتها الحيوية؟ منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، استهدفت واشنطن أكثر من 1000 شخص وسفينة وطائرة مرتبطة بإيران. ومن المرجح أن توسع واشنطن دائرة العقوبات لتشمل الأطراف التي تمنح إيران متنفسًا اقتصاديًا، مستهدفة مشتري النفط والمصارف وشركات الشحن والتأمين وشبكات الصرافة والوسطاء، وخصوصًا في الصين ودول الجوار.
قال بسنت إن العقوبات والحصار سيشكلان "ضربة مزدوجة"، معتبرًا أن الضغط الاقتصادي قد يقلل الحاجة إلى استئناف عمليات عسكرية واسعة. أما ترامب، فقد وسّع دائرة التهديد عندما حذر من "عواقب اقتصادية" على أي دولة توفر "أي نوع من شريان الحياة لإيران". ومن المقرر أن يكشف بسنت تفاصيل ما تعتزم الإدارة القيام به.
إذا أرادت واشنطن أن تجعل العقوبات المقبلة مختلفة فعلاً عما سبقها، فسيكون النفط الإيراني والصين نقطة البداية. تستحوذ الصين على أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحراً وفق بيانات "كبلر"، بينما قدرت الخزانة الأمريكية في نيسان/أبريل حصتها بنحو 90% من إجمالي الصادرات الإيرانية. واشترت الصين في 2025 ما متوسطه 1.38 مليون برميل يومياً من إيران، معظمها عبر مصافٍ مستقلة تعرف باسم "أباريق الشاي". هذه المصافي هي إحدى الثغرات الكبرى في منظومة العقوبات، فبعضها يعمل بانكشاف محدود على الولايات المتحدة، ويشتري النفط الإيراني بأسعار مخفضة عبر منظومة تجارة يصعب تتبعها. وشحنات النفط الإيرانية الموجهة إلى الصين سُجلت طويلاً على أنها ماليزية، ولاحقاً إندونيسية، فيما تستخدم المعاملات اليوان وسلسلة من الوسطاء والشركات لتقليل المرور بالنظام المالي الأمريكي.
بدأت واشنطن بالفعل كسر هذه الحلقة. ففي نيسان/أبريل عاقبت مصفاة "هنغلي" الصينية، التي قالت الخزانة إنها اشترت نفطاً إيرانياً بمليارات الدولارات، بالتزامن مع استهداف نحو 40 شركة وسفينة ضمن "أسطول الظل". كما حذّر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأمريكية المؤسسات المالية من مخاطر التعامل مع المصافي الصينية المستقلة. الحزمة المقبلة يمكن أن توسع هذه السياسة لتشمل عددًا أكبر من المصافي والموانئ والوسطاء، إلا أن القفزة الأكثر حساسية ستكون الانتقال إلى مصارف صينية أكبر. فقد حذرت الخزانة مصرفين صينيين كبيرين من احتمال تعرضهما لعقوبات ثانوية إذا ثبت مرور أموال إيرانية عبرهما، من دون أن تصل حتى الآن إلى إدراجهما على لوائح العقوبات. ويرى خبراء أن استهداف مصرف صيني كبير قادر على إحداث أثر ردعي يمتد إلى المؤسسات الأخرى، لأن الخطر عندها يصبح خسارة الوصول إلى الدولار والنظام المالي الأمريكي مقابل مواصلة التعامل مع إيران. وهنا أيضًا يكمن الحد الفاصل بين عقوبات قوية وعقوبات "تاريخية". فاستهداف كيانات صينية صغيرة تستطيع بكين تعويضه، بينما ضرب مؤسسات مالية كبرى يعني نقل المواجهة من واشنطن وطهران إلى واشنطن وبكين.
لا يبدأ الضغط الاقتصادي من الصفر. صادرات إيران النفطية تلقت بالفعل ضربة كبيرة بسبب الحرب والحصار البحري وصعوبات الشحن. وأظهرت بيانات نقلتها "رويترز" أن الشحنات الإيرانية هبطت إلى نحو 534 ألف برميل يومياً في آب/أغسطس، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 1.4 مليون برميل يومياً في 2025. كما تراجعت مخزونات النفط الإيرانية العائمة خارج منطقة الحصار من نحو 105 ملايين برميل إلى نحو 80 مليوناً، بينها قرابة 30 مليون برميل في المياه الآسيوية. وبدأت مصافٍ صينية البحث عن بدائل من العراق والبرازيل مع انحسار المعروض الإيراني. إذا أضيف إلى ذلك استهداف المشترين والشركات التي تنقل النفط وتؤمن الناقلات والموانئ التي تستقبلها، تصبح المشكلة الإيرانية أكبر من إيجاد سفينة جديدة بعد إدراج أخرى على لائحة العقوبات. فالخزانة الأمريكية تطارد أيضًا شبكة الخدمات التي تجعل التصدير ممكنًا، من التأمين البحري إلى شركات الواجهة وأنظمة الدفع. وفي تموز/يوليو استهدفت واشنطن شركتين قالت إنهما جزء من منظومة تأمين بحري مرتبطة بالحرس الثوري وتستخدم الأصول الرقمية لتحصيل الأموال من حركة السفن في مضيق هرمز.
لا يكتمل خنق صادرات النفط دون قطع الطريق على عائداتها. وهنا تتركز الجبهة الثانية للعقوبات الأمريكية على شبكات الدفع والمصارف وشركات الصرافة التي تتيح لطهران تحصيل أموالها وتحويلها إلى واردات. العقوبات الطويلة دفعت طهران إلى بناء نظام مالي موازٍ يقوم على شركات واجهة ومكاتب صرافة وحسابات في الخارج والتعامل باليوان والمقايضة والعملات الرقمية، وهو ما سمح لها بتحويل جزء من عائدات صادراتها إلى واردات حتى مع صعوبة استخدام الدولار والمصارف الدولية. وفي 7 آب/أغسطس أعلنت الخزانة تفكيك شبكات في دول عدة قالت إنها ساعدت النظام المصرفي الموازي الإيراني على نقل مئات ملايين الدولارات، بعدما استهدفت قبلها بيوت صرافة قالت إنها تنقل مليارات الدولارات سنوياً لمصلحة مصارف إيرانية خاضعة للعقوبات. وتستخدم التجارة الصينية - الإيرانية أيضاً بنية دفع أقل اعتماداً على الدولار، وهو عامل أضعف جزئياً النفوذ التقليدي للعقوبات الأمريكية. لذلك يمكن أن تركز المرحلة المقبلة على البنوك وشركات الدفع والوسطاء الذين يحولون عائدات النفط إلى سلع تستطيع إيران استيرادها. وكلما ضيّقت واشنطن هذه الحلقة، تراجعت قدرة طهران على تحويل صادراتها النفطية إلى عائدات قابلة للتحويل والإنفاق.
هناك خيار أكثر اتساعًا يلوّح به ترامب يقوم على فرض رسوم أو عقوبات اقتصادية على الدول التي تواصل التجارة مع إيران. وقد استخدم الرئيس الأمريكي التهديد بالرسوم الثانوية سابقاً، إلا أن هذه الأداة تواجه مشكلة قانونية بعد إسقاط المحكمة العليا الأساس الذي استندت إليه الإدارة الأمريكية في فرض بعض الرسوم. ومرر مجلس الشيوخ مؤخرًا مشروع عقوبات يتضمن صلاحيات جديدة للرئيس في هذا المجال، لكنه لا يزال يحتاج إلى موافقة مجلس النواب. وفي حال حصول إدارة ترامب على هذه السلطة، ستتمكن من نقل العقوبات إلى مستوى أكثر خطورة، عبر الضغط على الدول نفسها ورفع كلفة تجارتها مع إيران، وصولاً إلى تهديد مصالحها التجارية في السوق الأمريكية. هذه الأداة قد تكون شديدة التأثير على الاقتصادات الأصغر، لكنها تصبح أكثر تعقيدًا عندما يكون الطرف المقابل الصين، لأن أي مواجهة اقتصادية واسعة تحمل مخاطر انتقام صيني، بما فيها القيود على المعادن الحرجة التي تحتاج إليها الصناعات الأمريكية والغربية.
المشكلة الأخرى أمام واشنطن أن إيران لا تعيش من النفط وحده، ولديها حدود برية واسعة وتجارة مهمة مع عدد من جيرانها. بلغت تجارة العراق مع إيران أكثر من 10 مليارات دولار في 2025، وتدفع بغداد لطهران نحو 4 مليارات دولار إلى 5 مليارات سنوياً مقابل الغاز المستخدم في إنتاج الكهرباء. أما تركيا فتبلغ تجارتها مع إيران نحو 5 مليارات دولار إلى 6 مليارات سنوياً، وتؤمن إيران نحو 13% من واردات تركيا من الغاز. وتجاوزت التجارة الإيرانية العمانية 1.5 مليار دولار في 2025. لهذا طُرحت داخل دوائر أمريكية وإسرائيلية، وفق "رويترز"، فكرة تشديد ما يشبه "الحصار البري" عبر الدول المحيطة بإيران، ومن بينها العراق وتركيا وباكستان وأذربيجان وأرمينيا وتركمانستان وأفغانستان. لكن تطبيقه شديد الصعوبة بسبب طول الحدود وحجم التجارة غير الرسمية، كما قد يمنع وصول الغذاء والطاقة والمنسوجات إلى الإيرانيين ويزيد الكلفة الإنسانية من دون ضمان تحوله إلى أداة للضغط السياسي على النظام. أما الإمارات، التي شكلت تقليديًا أحد أهم المنافذ التجارية والمالية لإيران ومركزًا لإعادة التصدير، فقد سبقت الحزمة الأمريكية الجديدة بإعلان تعليق جميع المعاملات المالية والتجارية مع إيران بعد التصعيد الأخير. وكانت الإمارات توفر نحو 30% من واردات إيران في 2024 بقيمة تقارب 21 مليار دولار، وفق بيانات منظمة التجارة العالمية. إغلاق هذا المسار يزيد كثيرًا أهمية العراق وتركيا وباكستان وشبكات التجارة غير الرسمية بالنسبة لطهران.
تصل العقوبات الجديدة فيما الاقتصاد الإيراني أضعف كثيرًا مما كان عليه عند بداية جولات "الضغط الأقصى" السابقة. البنك الدولي يقدّر أن الاقتصاد انكمش 2.7% في السنة الإيرانية المنتهية في آذار/مارس 2026، قبل احتساب معظم آثار الحرب الحالية، ويحذر من أن تراجع إيرادات النفط وصعوبات النقل والتأمين والعقوبات المالية ستضغط على التجارة والدخل الحقيقي والمالية العامة، مع ارتفاع متوقع للفقر ونقص بعض الواردات. وتشير تقديرات أحدث أوردتها "أسوشيتد برس" في ظل الحرب إلى احتمال وصول التضخم إلى قرابة 70% وانكماش الاقتصاد بأكثر من 5%، وسط تراجع القدرة الشرائية وخسارة وظائف وصعوبة متزايدة لدى عائلات إيرانية في تحمل أسعار المواد الأساسية. أي خفض إضافي للصادرات النفطية يعني عملات أجنبية أقل، وقدرة أضعف على تمويل الواردات ودعم العملة والإنفاق الحكومي. كما أن ضرب قنوات الدفع يرفع كلفة التجارة حتى بالنسبة إلى السلع غير المستهدفة مباشرة، لأن المستورد الإيراني يحتاج إلى وسطاء أكثر ورسوم أعلى ومسارات أطول للحصول على المنتج نفسه. وهكذا تنتقل العقوبات تدريجيًا من موازنة الدولة إلى الشارع عبر التضخم وسعر الصرف والوظائف والسلع المستوردة.
تبقى فاعلية العقوبات مرتبطة بقدرة واشنطن على ردع الدول والشركات المستعدة لمواصلة التعامل مع طهران، وهنا تبرز الصين بوصفها العقبة الأكبر أمام تحويل الضغط الأمريكي إلى حصار اقتصادي فعلي. بكين أعلنت الجمعة بوضوح أن "العقوبات والضغط" لن يحلا الأزمة، ودعت إلى معالجة سياسية ودبلوماسية. كما أن المصافي الصينية التي تشتري النفط الإيراني صُممت خلال سنوات العقوبات لتكون أقل تعرضًا للدولار والأسواق الأمريكية. وتمتلك إيران بدورها خبرة طويلة في تبديل السفن والشركات ومكاتب الصرافة والوسطاء كلما استهدفت واشنطن شبكة قائمة. وتبدو ملاحقة هذه الشبكات أشبه بلعبة "اضرب الخلد"، إذ سرعان ما تظهر شركات ووسطاء ومسارات جديدة مكان تلك التي تطاولها العقوبات. لكن الظروف الحالية تضيّق هامش المناورة. النفط المتاح للتصدير أقل، حركة هرمز أصعب، الإمارات أغلقت أحد أكبر المنافذ، وأساطيل الظل والتأمين والمصارف والمشترون يتعرضون لضغط متزامن. لذلك، فإن حجم الضرر الذي يمكن أن تلحقه الحزمة الجديدة بإيران قد يكون كبيرًا حتى من دون التزام عالمي كامل بها. لكن إلحاق ضرر بالغ بالاقتصاد الإيراني لا يعني بالضرورة تحقيق الهدف الذي تحدث عنه بسنت، أي دفع النظام نحو الانهيار. فتجربة أكثر من أربعة عقود من العقوبات أظهرت قدرة طهران على امتصاص ضغوط اقتصادية قاسية، حتى عندما انعكست بقوة على معيشة الإيرانيين وموارد الدولة. ويضاف إلى ذلك مأزق أمريكي آخر. فكلما نجحت واشنطن في إخراج مزيد من النفط الإيراني من السوق، زادت احتمالات ارتفاع أسعار الطاقة التي تتحمل الولايات المتحدة وحلفاؤها جزءًا من كلفتها. وقد ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 2% مباشرة بعد تهديدات ترامب، فيما سجل خام برنت الجمعة نحو 93 دولارًا للبرميل. من هنا، قد يكون جوهر الحزمة الجديدة محاولة صنع حصار اقتصادي انتقائي يقطع إيرادات طهران دون إحداث صدمة نفطية عالمية، ويجبر الصين والدول المجاورة على الاختيار بين إيران والوصول إلى الاقتصاد الأمريكي. وهذا تحديدًا ما سيحدد إن كانت العقوبات المقبلة تستحق وصف "الأشد في التاريخ". فالمعيار يتجاوز عدد الأسماء الجديدة على قوائم الخزانة إلى مدى استعداد واشنطن لمعاقبة المصرف والمصفاة والدولة التي تقرر إبقاء شريان إيران الاقتصادي مفتوحًا، ومدى استعداد تلك الدول لتحمل الكلفة ومواجهة الولايات المتحدة من أجل ذلك.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد