اتفاق تونس يفتح آفاقاً جديدة للانتخابات الليبية: من يقود المرحلة الانتقالية؟


هذا الخبر بعنوان "اتفاق تونس يحرّك الانتخابات الليبية... من يدير المرحلة الانتقالية؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مسودة اتفاق تونس أعادت الزخم للانتخابات الليبية، لكن تعقيدات آليات التنفيذ والخلافات حول السلطة الانتقالية ودور مجلسي النواب والدولة تثير مخاوف من عودة التعطيل. في صورة أرشيفية، ناخبة ليبية تدلي بصوتها في أحد مراكز الاقتراع.
فتحت مسودة اتفاق تونس نافذة أمل في تجاوز الأزمة الليبية، حيث خطت الأطراف خطوات نحو معالجة ملفي القوانين الانتخابية وتشكيل المفوضية. ومع ذلك، يبقى الطريق إلى صناديق الاقتراع مرهوناً بحسم القضية الأكثر حساسية، وهي طبيعة السلطة التنفيذية التي ستتولى إدارة المرحلة الانتقالية، وقدرة القوى المحلية والدولية على تحويل التوافقات إلى إجراءات ملزمة.
في تونس، وقّع أعضاء "اللجنة المصغرة 4+4" بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق تهدف إلى إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل الإطار القانوني للانتخابات التشريعية والرئاسية. جاء ذلك خلال اجتماع نظمته الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه. وقد اتفقت اللجنة، التي تضم ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية وقيادة "الجيش الوطني" ومجلسي النواب والدولة، على عقد اجتماع داخل ليبيا قبل نهاية أغسطس لاستكمال ترتيبات التنفيذ والإعلان الرسمي عن الاتفاق.
أحاط أعضاء اللجنة تفاصيل المسودة بالسرية خشية التأثير على تنفيذها. وزاد الغموض بعدما أصدرت بعثة الأمم المتحدة توضيحاً أكدت فيه أن المعلومات المتداولة عن الاتفاق "لا تعكس بدقة" ما اتفقت عليه الأطراف، مشددة على ضرورة احترام قواعد التفاوض والسرية للحفاظ على سلامة الاتفاق وصلاحيته. هذا يعني أن التوقيع بالأحرف الأولى لا يرقى بعد إلى اتفاق نهائي نافذ. كما أن هذه الخطوة لم تحدد موعداً للانتخابات، ولم تحسم مصير السلطة القائمة أو الجهة التي ستتولى إدارة المرحلة السابقة للاستحقاق.
وكانت تيتيه قد عرضت على مجلس الأمن ملامح المرحلة التالية، موضحة أن البعثة تدرس الانتقال إلى مرحلة تركز على "توحيد الحكومة والمؤسسات القادرة على السير بالبلاد نحو الانتخابات". وأقرت بأن خريطة الطريق "قد تستغرق وقتاً أطول مما كان متوقعاً في البداية".
يوضح أستاذ القانون، راقي المسماري، أن اتفاق لجنة "4+4" يعالج النقاط الخلافية في القوانين المنظمة للانتخابات وآلية تنفيذ الاستحقاقين التشريعي والرئاسي. كما يتناول احتمال تعثر أحدهما، وخصوصاً الانتخابات الرئاسية، بما يسمح بالمضي في الاستحقاق الآخر وإعلان نتائجه، "لنكون أمام سلطة تشريعية جديدة". ويشير المسماري إلى أن الإعلان النهائي يفترض أن تعقبه تفاهمات حول شكل السلطة التنفيذية التي ستقود المرحلة الانتقالية. ويلفت إلى استمرار الغموض بشأن ما إذا كانت المبعوثة الأممية ستطلب من مجلسي النواب والدولة تمرير الاتفاق، أم ستتجه إلى لجنة الحوار السياسي. وفي كلتا الحالتين، يرجح عرض التفاهمات على مجلس الأمن لاستصدار قرار يدعم تنفيذها.
صورة لهانا تيتيه، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، خلال إحاطتها عبر الشاشة أمام مجلس الأمن بشأن تطورات الوضع الليبي وخارطة الطريق نحو الانتخابات وتوحيد المؤسسات، في نيويورك، في 18 آب/أغسطس 2026. (زوما برس)
تثير هذه الخطوة تساؤلات حول مصير المبادرة الأميركية التي يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، وتركز على توحيد المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية. رحب بولس بالتقدم المحرز في تونس، معتبراً إياه خطوة مهمة نحو مسار موثوق يقود إلى انتخابات وطنية ناجحة، ومؤكداً مواصلة العمل مع البعثة الأممية والشركاء الدوليين لمساعدة الليبيين على التوصل إلى حل سياسي دائم وسلطة تنفيذية موحدة.
ويرى المسماري أن مبادرة بولس حركت المياه الراكدة، موضحاً أن قيادة "الجيش الوطني" وحكومة الوحدة الوطنية، وهما الطرفان اللذان عُهد إليهما التفاوض في الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية ضمن المسار الأميركي، شاركتا في تشكيل لجنة "4+4". ويعتبر أن المبادرة الأميركية لا تزال مطروحة، وأن البعثة استفادت منها لدفع المسار السياسي. وكانت تيتيه قد حذرت أمام مجلس الأمن من أن "إنشاء مسارات ومبادرات موازية قد يفتح المجال لإهدار الوقت والبحث عن منابر بديلة". إلا أن ترحيب بولس باتفاق تونس يشي بمحاولة تنسيق الجهود، بحيث تقود الأمم المتحدة المسار السياسي والانتخابي، فيما تركز واشنطن على التفاهمات الأمنية والعسكرية والاقتصادية.
يعتبر المحلل السياسي الليبي، فرج فركاش، أن اتفاق تونس يمثل "اختراقاً مهماً للجمود السياسي"، وأن التوقيع بالأحرف الأولى ينقل خريطة الطريق من التفاهم السياسي إلى خطوات عملية، وقد يساعد في كسر الانسداد بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة. لكنه يحذر، في تصريح لـ"النهار"، من أن قيمة الاتفاق ستتحدد بمدى انتقاله من تونس إلى التنفيذ داخل ليبيا، ومدى التزام المؤسسات والقوى السياسية والعسكرية الفاعلة به. ويقول: "يمكن القول إن الانتخابات تقترب خطوة خطوة، ولكن ببطء. فالعقبة الأكبر لم تُحل بعد. الاتفاق ضروري، لكنه لا يحسم السؤال الأهم: من يدير المرحلة الانتقالية، ومن يضمن قبول الجميع بنتائج الانتخابات؟".
من جانبه، يشدد الناطق السابق باسم المجلس الأعلى للدولة، السنوسي إسماعيل، على ضرورة إحالة الاتفاق، بعد توقيعه النهائي، إلى مجلسي النواب والدولة حتى يصبح قانوناً نافذاً. ويرجح ظهور خلافات داخل المجلسين، اللذين تحفظا منذ البداية على إنشاء لجنة "4+4"، بما قد يعرقل تمرير الاتفاق. وقد يجد المجلسان نفسيهما أمام خيارين: إقراره باعتباره فرصة أخيرة للحفاظ على دورهما في المشهد السياسي، أو فتح الطريق أمام لجنة الحوار السياسي لتمريره بعيداً عنهما. وبذلك، يحرّك اتفاق تونس الملف الانتخابي، فيما يبقى حسم الجهة التي ستدير المرحلة الانتقالية شرطاً لنقل التفاهمات من الورق إلى صناديق الاقتراع.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة