لبنان
سياسة

مجلس النواب اللبناني: بين التشريع وحسابات السياسة.. هل أصبح المواطن آخر الاهتمامات؟

النهار٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٠٨ م0 مشاهدة
مجلس النواب اللبناني: بين التشريع وحسابات السياسة.. هل أصبح المواطن آخر الاهتمامات؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "السّلطة التشريعية: بين التشريع وحسابات السياسة… هل أصبح المواطنُ آخر من يُفكّر فيه مجلس النواب؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في كل جلسة لمجلس النواب اللبناني، تتكرر الأسئلة وتكثر النقاشات حول القوانين والاقتراحات والملفات العالقة. لكن السؤال الجوهري الذي يجب أن يتصدر كل هذه المباحثات هو: أين مصلحة المواطن؟ وأين مصلحة الدولة؟ قد يبدو هذا السؤال بسيطاً، لكنه في الواقع بات من أعقد التساؤلات في المشهد السياسي اللبناني. فالسياسة في لبنان لم تعد دوماً تتمحور حول احتياجات الناس، بل غالباً ما تدور حول رغبات هذا الفريق أو ذاك، والمكاسب التي يمكن لكل طرف الحصول عليها مقابل موقفه، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وبدء الحسابات المتعلقة بالدوائر الانتخابية والأصوات والمقاعد.

من هنا، يحق للمواطن أن يتساءل عما يجري في الكواليس، ليس من باب الاتهام، بل من باب القلق على دولة يفترض أن تكون مؤسساتها فوق الحسابات الضيقة. ملف قانون العفو العام، على سبيل المثال، ليس مجرد اقتراح قانون عادي، بل يمس حياة الناس وحرياتهم وحقوقهم، ويمس أيضاً حق المجتمع وحقوق الضحايا. ولذلك، يجب أن يكون أي قانون عفو واضحاً وعادلاً، وأن يستند إلى معايير موحدة تطبق على الجميع، لا أن يتحول إلى مساحة لتبادل المصالح أو تسوية سياسية يستفيد منها طرف أكثر من غيره. المشكلة ليست في مبدأ العفو إذا كانت هناك أسباب قانونية وإنسانية تستدعيه، بل في الطريقة التي يمكن أن يُستخدم بها هذا الملف. فاللبناني سئم من القوانين التي تولد في ظروف سياسية معينة، ثم يتبين لاحقاً أن وراءها حسابات أبعد من النص القانوني نفسه.

السؤال المطروح اليوم هو: هل يتم التعامل مع هذا الملف كقضية عدالة وإنصاف، أم من زاوية سياسية وانتخابية؟ لا يمكن إنكار أن السياسة حاضرة بقوة في معظم الملفات اللبنانية، ولا يمكن تجاهل أن الانتخابات النيابية المقبلة بدأت تفرض نفسها على حسابات القوى السياسية. وعندما تدخل حسابات الدوائر الانتخابية في طريقة التعاطي مع القوانين، يصبح المواطن أمام مشكلة حقيقية، لأن القانون عندها قد لا يُناقش فقط على أساس الحاجة إليه، بل على أساس من سيستفيد منه ومن قد يدفع ثمنه انتخابياً. وهنا يجب التوقف.

النائب الذي يدخل مجلس النواب يفترض أنه يحمل أمانة الناس الذين انتخبوه، وليس فقط حسابات حزبه أو تياره أو دائرته. ومن حق المواطن أن يسأل كل نائب: عند التصويت على قانون، هل تفكر في مصلحة الناس أم في الانتخابات المقبلة؟ السؤال قاسٍ، لكنه مشروع. ولعلّ أكثر ما يثير القلق هو أن الجميع يبدو وكأنه يشدّ على مصلحته الخاصة. كل فريق يريد تمرير ما يخدمه، وكل طرف يبحث عن نقطة قوة يحتفظ بها للمرحلة المقبلة. وفي النهاية، يجري البحث عن تقاطع مصالح يسمح بمرور هذا القانون أو ذاك. وهكذا يصبح القانون نتيجة تفاهمات سياسية أكثر مما يكون نتيجة حاجة وطنية. وهذا لا يعني أن كل تفاهم سياسي سيء، فالديمقراطية تقوم على الحوار والتفاهم والتسويات. لكن التسوية تصبح خطيرة عندما تكون على حساب العدالة أو المواطن، أو عندما تجعل المصلحة الخاصة أقوى من المصلحة العامة.

أما في الملف القضائي، فالمسألة أكثر حساسية. الأحكام والقرارات القضائية الأخيرة أثارت ولا تزال تثير جدلاً واسعاً وأسئلة لدى الرأي العام. ومن الطبيعي أن يسأل المواطن عن مدى استقلال القضاء وعن المعايير المعتمدة في التعامل مع الملفات المختلفة، خاصة عندما يشعر بتفاوت في مقاربة القضايا. لكن في الوقت نفسه، لا يجوز وضع كل حكم قضائي في خانة التسييس لمجرد عدم الموافقة عليه. فالقضاء يحتاج إلى احترام، ولكنه يحتاج قبل ذلك إلى استقلال حقيقي يحميه من التدخلات والضغوط السياسية. العدالة لا تكون عدالة إذا شعر المواطن أنها تتغير بحسب الظروف السياسية. وإذا كانت هناك أخطاء قضائية سابقة، فالمطلوب ليس الانتقام منها بخطأ جديد، بل تصحيحها عبر القانون والمؤسسات وحق الدفاع وطرق المراجعة القضائية. وإذا كانت هناك أخطاء سياسية ارتكبتها القوى التي تدير البلد، فعليها أن تتحمل مسؤوليتها، لأن الدولة لا يمكن أن تستمر في معالجة أخطائها القديمة بأزمات جديدة.

الحقيقة هي أن السياسيين ليسوا وحدهم من يدفع ثمن أخطائهم، فالمواطن هو الذي يدفع الثمن الأكبر. فهو الذي ينتظر في المحاكم، ويعيش تحت ضغط الأزمات، ويدفع ثمن ضعف الدولة، ويتأثر بكل قانون جديد، وبكل قرار سياسي، وبكل تسوية تجري بين القوى المختلفة. أما السياسي، فقد يستطيع إعادة ترتيب أوراقه، وتغيير تحالفاته، وانتظار الاستحقاق الانتخابي المقبل. أما المواطن فلا يملك كل هذه الخيارات. ولهذا، المطلوب اليوم ليس المزيد من الصفقات السياسية، ولا المزيد من القوانين المصاغة على مقاس المرحلة، بل العودة إلى فكرة بسيطة: الدولة أولاً والمواطن أولاً. إذا كان قانون العفو ضرورياً، فليكن عادلاً لا يميز بين الناس. وإذا كانت هناك أخطاء قضائية، فلُتصحح وفق القانون. وإذا كانت هناك أخطاء سياسية، فليتحمل أصحابها مسؤوليتها. وإذا كانت هناك قوانين تحتاج إلى تعديل، فلتُعدّل لأن لبنان يحتاجها، لا لأن الانتخابات تقترب!

لقد سئم المواطن اللبناني من الشعور بأن كل شيء في البلد له حساب، إلا مصلحته. حتى القانون بات يُقرأ أحياناً من زاوية من يربح ومن يخسر، ومن يستفيد في هذه الدائرة أو تلك، ومن يستطيع حصد أصوات أكثر في الانتخابات المقبلة. لكن المجلس النيابي ليس ساحة انتخابية دائمة، فهو مؤسسة تشريعية يفترض أن يكون همها الأول حماية الناس وتنظيم حياتهم وحماية الدولة.

شارك الخبر: