السجن المؤبد لمفتي الأسد أحمد حسون: نهاية مسيرة تبرير القمع


هذا الخبر بعنوان "ما لم يُتهم به مفتي نظام الأسد" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كما كان متوقعاً، صدر حكم بالسجن المؤبد بحق مفتي نظام الأسد، أحمد حسون، وهو حكم أقل بقليل من عقوبة الإعدام التي طالب بها الادعاء. نظرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق في القضية، وعُقدت جلستها الأولى في 25 حزيران الفائت، لتصدر الحكم في الجلسة الخامسة. تضمنت لائحة الاتهام جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك دعم السلطة السابقة في جرائمها ضد السوريين، سواء بصفته الشخصية أو بمنصبه كمفتٍ. اللقب الذي اشتهر به بين معارضيه، "مفتي البراميل"، يختزل التهم الموجهة إليه، في إشارة إلى دعمه لنهج البراميل المتفجرة التي كان الأسد يستخدمها لقصف المناطق الخارجة عن سيطرته.
شغل حسون منصب المفتي من عام 2005 حتى عام 2021، حيث تم إلغاء المنصب وإسناد صلاحياته إلى المجلس العلمي الفقهي التابع لوزارة الأوقاف. ولو بقي المنصب وأُقيل حسون، لكان من السهل تعيين بديل يؤدي الدور ذاته في تبرير سياسات الأسد. على الصعيد العام، كان يُنظر إلى أي بديل كبوق آخر للسلطة، حيث يُعتبر منصب المفتي منصباً حكومياً يتطلب من شاغله التحدث باسم السلطة.
يُعرف عن حسون سعيه وراء السلطة، فقد سعى أولاً لعضوية مجلس الشعب، وهو منصب لا يُمنح إلا برضا السلطة. لكنه ليس استثناءً بين المشايخ، بل إن الاستثناء الحقيقي هم الزاهدون في السلطة. لعقود، نظر السوريون بسخرية إلى مشايخ السلطة، وكان معروفاً أن السلطة تستغلهم، وتعايش الجميع مع ذلك كأمر واقع. في الأصل، وقبل استخدام البراميل المتفجرة، رضي حسون بمنصب ديني أصبح بمثابة إهانة للدين نفسه. ثم مع البراميل، ازدادت الإهانة، حيث أصبح دور المنصب تطويع الدين لتبرير المجازر والإبادة.
هذه جريمة أو تهمة تتجاوز لائحة الاتهام الموجهة إليه، فهو الشخص الذي قبل بمنصب غير مستقل، يمثل هيمنة السلطة على الدين. وقد انكشفت فداحة قبوله بهذا الوضع مع استخدام البراميل، لكنها كانت أسبق من ذلك. كان بإمكان حسون التنحي والنجاة من هذه المهانة، قبل النجاة من الحكم الصادر بحقه. لكنه، كما هو معلوم، لم يكن سبّاقاً إلا بقدر إجرام الأسد. منصب "مفتي السلطان" ليس جديداً، والتاريخ مليء بأمثلة عن "مشايخ السلطان"، الذين لم يتورع العديد منهم في العصور الأولى للإسلام عن تلفيق أحاديث نبوية لخدمة سياسات معينة، بما في ذلك قتل الخصوم السياسيين.
المشكلة تكمن في الوضعية ذاتها، في أن السلطان يتحكم في الدين ويُجيّره لخدمته. ليس مهماً من هو السلطان، مثلما ليس مهماً من هو الرئيس في نظام استبدادي، لأن التعويل على مستبد عادل هو تعويل على سراب. والتعويل على مفتٍ لا ينصاع لرغبات السلطان هو تعويل على ما ليس من طبيعة المنصب غير المستقل عن السلطة. الذين يصرون على بقاء الربط بين الدين والدولة يصرون واقعياً على بقاء وضعية السلطان والمفتي كما استقرت لقرون. رفض استقلالية المرجعية الدينية عن الدولة يعني استمرار هيمنة السلطات المتعاقبة على الدين وتوظيفه بما يخدم سياساتها.
العكس غير وارد حسب الوقائع المتراكمة عبر التاريخ، وحتى في المثال السوري الراهن، يُحكى عن ابتعاد السلطة الحالية عن منابعها الأيديولوجية. وبعيداً عن المثال السوري، لا يُندر أن تُمتدح سلطة بالقول إنها براغماتية، بينما يُفترض أن للدين موجباته المغايرة لضرورات السياسة. في سوريا بعد الأسد، هناك مثال على توظيف الدين عندما استُخدمت منابر المساجد للدعوة إلى النفير العام، ثم حدث ما حدث في الساحل، وشكّلت السلطة لجنة تحقيق أقرت بارتكاب مجازر شارك فيها الذين لبّوا نداء النفير العام. هذا نموذج على استخدام الدين وإهانته بالمسؤولية (ولو جزئياً) عما يجب ألا يكون من طبيعته، إذا أُريد الحفاظ على الجانب السمح للدين.
عموماً، أدّت الانقسامات السورية مؤخراً إلى بروز رجال الدين وتنطّعهم لأدوار سياسية. السلطة الحاكمة آتية من خلفية دينية، ولا تخفي منبتها مهما اقتضت البراغماتية الالتفاف عليه. وهذا ربما شجّع بروز زعامات دينية أبرزها الشيخ الهجري في السويداء، في حين يحاول رجل دين علوي الاقتداء به ليكون زعيماً طائفياً. أما الزعامات الدينية المسيحية فهي موجودة تقليدياً خارج الاصطفافات السياسية، إلا أن اللوحة العامة تُنذر بالمزيد من الاستثمار في الدين.
الكلام عن تحرير المرجعية الدينية من السلطة ليس ترفاً، هو واحد من الدروس التي يقدمها نموذج "مفتي البراميل"، إذ يشير إلى المستوى الدموي الذي قد يصل إليه استغلال الدين من قبل السلطة. استقلالية المرجعية الدينية يُفترض أن ينادي بها كل غيور على الدين، وكل من يتوسل له مكانة كريمة، وبالطبع ليس من يتوسل السلطة من خلال الدين. هذا الجانب لا يُلحظ إطلاقاً من قبل الذين يرفضون الفصل، ويعتقدون أن المناداة به تنطلق حصراً من معاداة الدين.
لا يصعب في بلد مثل سوريا أن تُنشأ هيئة عليا مستقلة للأوقاف، تتضمن داراً للإفتاء، على غرار دار الإفتاء اللبنانية. وزارة الأوقاف السورية تدير عدداً ضخماً من الأملاك الوقفية، وهي الوزارة الأغنى في سوريا. بمعنى أن هيئة عامة للأوقاف تمتلك الإمكانيات لتكون مستقلة مادياً، فلا تضطر للارتهان إلى أية جهة مموِّلة، ويمكن لهذه الهيئة أن تخضع لرقابة مالية مستقلة، وأيضاً لرقابة قضائية تضمن سير الانتخابات فيها. محاكمة أحمد حسون، المستعجلة، تقدم درساً إذا قُرئت بتمهّل يلحظ استغلال منصبه، طالما بقي المنصب ضمن هيكلية السلطة. إخراج الدين من وحول السلطة مطلب له أحقية مستدامة أينما كان، ولعلها أحقية مضاعفة بالنظر إلى الوحول السورية المتراكمة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة