بحر البلطيق: ساحة توتر متصاعد بين روسيا والناتو وسط مخاوف من حرب هجينة


هذا الخبر بعنوان "البلطيق... ساحة ساخنة بين روسيا والناتو" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تحول بحر البلطيق، منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، إلى إحدى أكثر ساحات التنافس حساسيةً بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو). لم يعد دوره مقتصراً على كونه ممراً مائياً استراتيجياً يفصل روسيا عن دول شمال أوروبا، بل أصبح مسرحاً تتداخل فيه المواجهة البحرية مع التهديدات الهجينة، وحرب المسيّرات، وحماية البنية التحتية الحيوية. يتزامن هذا التصعيد مع حشد عسكري متزايد من جانب الناتو، لا سيما من قبل ألمانيا.
في يناير 2025، أطلق الحلف مهمة "حارس البلطيق" لتعزيز حماية كابلات الاتصالات والطاقة والمنشآت الحيوية تحت البحر، وذلك عقب سلسلة حوادث استهدفت بنية تحتية بحرية. تستخدم المهمة فرقاطات وطائرات دورية بحرية ومسيّرات وأنظمة مراقبة متطورة. وخلال عام 2025، اختبرت دول الحلف نحو 70 مسيّرة جوية وبحرية ضمن عمليات مراقبة المنطقة. وتكتسب هذه التحركات أهمية أكبر مع اتساع نشاط الأسطول الروسي "الظل" والشكوك حول أعمال تخريب أو إضرار بالكابلات وخطوط الطاقة.
لا تقتصر المواجهة على البحر؛ فقد شهدت دول البلطيق خلال عام 2026 حوادث متكررة مرتبطة بالمسيّرات. ففي أغسطس 2026، أسقطت لاتفيا مسيّرة قالت الحكومة إنها أوكرانية، ويُرجح أنها انحرفت بفعل الحرب الإلكترونية الروسية. وفي الوقت نفسه، تحقق إستونيا في حادث حريق استهدف منشأة لشركة دفاعية متخصصة بالأنظمة غير المأهولة، مع بحث احتمال وجود صلة روسية.
تلعب ألمانيا دوراً متزايداً في هذا المشهد. فقد بدأت برلين بإنشاء اللواء المدرع 45 في ليتوانيا، والذي يضم حوالي 4,800 عسكري و200 موظف مدني، ومن المتوقع أن يبلغ جاهزيته الكاملة بنهاية عام 2027. يضم اللواء وحدات مدرعة ومشاة ومدفعية ودعماً لوجستياً، ويمثل وجوده الدائم في ليتوانيا تحولاً مهماً في سياسة الجيش الألماني، كونه أول لواء ألماني يتمركز بصورة دائمة خارج البلاد.
لا تقتصر المهمة الألمانية على القوات البرية. فقد تولى الفيلق الألماني-الهولندي الأول القيادة التكتيكية للقوات البرية للناتو في إستونيا ولاتفيا. كما تشارك القوات الجوية الألمانية في مهمة الشرطة الجوية فوق البلطيق، وتؤدي البحرية الألمانية دوراً في حماية البنية التحتية الحيوية.
تظهر أرقام الحشد حجم التحول. فوجود الناتو في دول البلطيق بدأ بوحدات قتالية متعددة الجنسيات منذ عام 2017، لكنه توسع بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، وتحولت هذه الوحدات تدريجياً نحو تشكيلات أكبر وأكثر قدرة على القتال. في ليتوانيا وحدها، تجاوز وجود قوات الناتو 5 آلاف عسكري بعد إدخال اللواء الألماني في المنظومة. كما شارك حوالي 2,900 عسكري و800 مركبة من ثماني دول أعضاء في أول تدريبات قتالية واسعة للواء الألماني عام 2026.
المؤشرات الحالية لا تعني أن حرباً مباشرة بين روسيا والناتو باتت وشيكة، لكنها تشير إلى تصاعد طويل الأمد في المنافسة الأمنية. من المرجح أن يزداد الاعتماد على المسيّرات والاستطلاع الإلكتروني، وأن تتحول الكابلات والمنشآت البحرية وموانئ الطاقة إلى أهداف رئيسية في الحرب الهجينة. الخطر الأكبر يتمثل في سوء التقدير: مسيّرة تعبر الحدود، أو حادث بحري، أو عملية تخريب غير واضحة المسؤولية، يمكن أن تضع الناتو أمام اختبار سياسي وعسكري صعب. لذلك، يبدو أن البلطيق يتجه إلى أن يصبح منطقة ردع متقدم للناتو وميدان اختبار روسي للحرب الهجينة، فيما تحاول ألمانيا الانتقال من دور المساهم العسكري إلى أحد الأعمدة الرئيسية للدفاع الأوروبي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة