الرياض وتركيا وباكستان: ميلاد نظام إقليمي جديد يتجاوز التحالفات التقليدية


هذا الخبر بعنوان "الرياض واستراتيجية الجوار الواسع" نشر أولاً على موقع المركزية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تمثل اتفاقية "الجوار الواسع" بين الرياض وتركيا وباكستان استثناءً في زمانه ومكانه، حيث تستمد رمزيتها التأسيسية من المكان، وتمنح الجغرافيا أهمية عبر محطاتها الثلاث. أما الزمان، فهو ليس مجرد لحظة توقيع، بل يختزل أزمنة متعددة سابقة ولاحقة، يعيد تصويب مسار التاريخ الذي تعطل لعقود.
تتجاوز الاتفاقية مجرد الإعلان عن تحالف دفاعي أو ثلاثي، لتتكامل فيها عناصر "الكثرة والوفرة والقدرة"، وهي نواة لنظام إقليمي جديد يختلف عن الثوابت التقليدية التي حكمت الشرق الأوسط الكبير سابقاً. إنها إعلان انتقال المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان من موقع الدول المكمّلة للنظام الدولي إلى دول المركز الإقليمي، الشريكة في صناعة النظامين الإقليمي والدولي.
الجغرافيا هنا ليست مجرد معبر، بل مصدر قوة وحق في التحكم بالعائدات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية. في الوقت الذي تسعى فيه عواصم دول المركز لتثبيت توازناتها في الشرق الأوسط الجديد، تحاول تل أبيب إخراج إيران من الثلاثية السابقة (تركيا، إيران، إسرائيل) التي كانت تعتقد أنها قادرة على الهيمنة. ورغم توترها من هذا الاتفاق، تواصل تل أبيب الضغط على أنقرة في سوريا، والتحريض على إسلام آباد بسبب قوتها النووية، والتركيز على الرياض لتمسكها برؤيتها للسلام ورفض العواصم الثلاث لشرق أوسط مفصل على قياس نتنياهو.
من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف السعودي والتركي والباكستاني كمحاولة لاستعادة المبادرة، بدلاً من انتظار قرارات واشنطن أو تل أبيب أو طهران. فالرياض تتحرك نحو العواصم الإقليمية والدولية، وتعيد تقييم الأرباح والخسائر، مستفيدة من وزنها الاقتصادي والديني والجغرافي، وقدرتها على بناء علاقات متوازنة.
لا يمكن اختزال اتفاق مكة في مواجهة إيران، رغم أن التوتر مع جماعات مرتبطة بها كان أحد دوافعه الأمنية المباشرة. القراءة الأوسع تشير إلى محاولة الرياض بناء بيئة إقليمية تسمح بالتعامل مع إيران كدولة مجاورة، وليس كمشروع نفوذ دائم. كما ترفض قيام نظام إقليمي تهيمن عليه إسرائيل، أو تكون فيه الولايات المتحدة الطرف الوحيد لحفظ الاستقرار.
لا تقتصر مشتركات هذا الجوار الواسع على الدفاع والأمن والسياسة، بل تمتد لتشمل المشتركات الثقافية والاجتماعية والدينية بين شعوبه. هذا الامتداد شكل عبر التاريخ نموذجاً قديماً للعيش المشترك، يحتاج اليوم إلى إعادة تعريف وقراءة في ظروف نشأته وتجربته الدينية والسياسية والحضارية.
لذلك، فإن اتفاق مكة ليس نهاية مسار، بل بداية تعريف جديد للجوار؛ جوار سياسي ودفاعي، يقوم أيضاً على مشتركات فكرية وإنسانية وروحية، وقابل للتوسع بقدر اتساع المصالح المشتركة. تكمن دلالة الرياض في اتفاق مكة في تحويل الجوار من عبء جغرافي إلى مصدر قوة، ومن حيز جغرافي في النظام الدولي إلى أحد مراكز صناعة النظام الإقليمي الجديد.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة