سوريا: صراع المواقع المحتدم وتحديات بناء الدولة المدنية


هذا الخبر بعنوان "سوريا... "حرب المواقع" المحتدمة!" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتصارع في سوريا أربع قوى اجتماعية-سياسية داخل أنقاض السلطة، في ما يُعرف بـ "حرب المواقع" التي تدور رحاها داخل مؤسسات المجتمع، بدلاً من معارك مكشوفة. هذه القوى لا تستطيع أي منها الحسم منفرداً، وتشمل: تياراً سلفياً-جهادياً يسعى لدولة إسلامية سنية، وطبقة برجوازية طفيلية تستفيد من اقتصاد الحرب، وكتلة وطنية منتجة من صغار التجار والمهنيين تسعى لقيام دولة لكن بقدرة بناء محدودة، ومجتمع مدني ناشئ من النساء والشباب. هذا الوضع المفتوح للتحالفات بين قوى الفساد والبناء يجعل مصير سوريا معلقاً.
تعاني سوريا من دولة بلا هيكل وسلطة بلا مؤسسات، تديرها ثلاثة احتكارات متزامنة: الاحتكار الأمني الذي تكرسه هيئة الأمن القومي، الاحتكار المالي-الأوليغارشي الذي توزع فيه غرف التجارة الامتيازات ضمن دوائر هيئة تحرير الشام، والاحتِكار السلطوي الخفي الذي يتحول من السلفية الجهادية إلى سلفية "مدخلية" تقوم على الطاعة المطلقة للحاكم ورفض التعددية، محاولةً تعليب المواطن ليصبح شرطياً على عقله.
تصف الباحثة رنا خلف ("تشاتام هاوس بريطانيا") التسويات التي تتم بأنها "لا تحل النزاع، بل تؤجله داخل مؤسسات مبنية على رمال متحركة"، مشيرة إلى أن حرب المواقع تمتد حتى داخل المعسكر الإسلامي ذاته، مع تمرّد ضباط رفضوا التنسيق مع واشنطن ضد "داعش"، وانقسام جماعة الإخوان المسلمين.
على الجانب الآخر، يتشكل تحالف وطني قوي لبناء سوريا الجديدة، يضم مئات الآلاف من السوريين الوطنيين الذين يعملون على تدعيم كل ما هو بنّاء وصالح، لمواجهة مشروعي الإقصاء الطائفي والقمع الدموي والاحتكار الاقتصادي. يقف إلى جانبهم كتلة كبيرة من القوى البيروقراطية القديمة-الجديدة التي ترفض عودة الماضي وتسعى لمسار دستوري تفاوضي حقيقي.
في الاقتصاد، تدور معركة محتدمة بين رأسمالية الدولة الاحتكارية الفاسدة والبرجوازية الوطنية المنتجة. تتجسد الأوليغارشية الطفيلية في تجار عهد الأسد ورجال من هيئة تحرير الشام، يركزون على السياحة والعقارات والمال السريع، بينما تخوض الكتلة الوطنية المنتجة حربها السلمية ضد الفساد والتسلط. وعلى الهامش، يخوض المجتمع المدني والنساء والشباب معركة التصدي لإعادة المجتمع إلى الوراء، مع إدماج زخرفي للنساء وإحياء لقوانين تشترط موافقات أمنية على قيام الجمعيات.
في غياب طرف ثالث يضمن العقد وينفذه، لا يملك أي فاعل في حرب المواقع هذه قدرة على الحسم، مما يخلق توازناً يوصف بـ "توازن عصابات وعشائر". تحذر مجموعة الأزمات الدولية من نمو عدد السوريين الذين يرون في دمشق تهديداً لا حامياً، ما لم تتغير قواعد الحماية والمساءلة جذرياً.
تتعدد السيناريوهات المستقبلية: التماسك القسري الذي تُحكِم فيه دائرة الأمن والمال قبضتها، أو التفكك الزاحف حيث تتصلب مناطق التوتر الإثني والطائفي، أو تعددية تفاوضية حقيقية تفرضها الكتلة المنتجة والمجتمع المدني وتيار الإصلاح الداخلي. يبقى السؤال الملحّ: هل السوريون جاهزون لخوض حرب مواقع تنتصر فيها دولتهم المدنية على قوى الأوليغارش الجهاديين، أم أننا نترقب جولة مدمرة للوجود الوطني السوري؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة