لبنان
سياسة

العقوبات على إيران: هل هي بديل للحرب أم استراتيجية مكمّلة لها؟

النهار٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٣٠ ص0 مشاهدة
العقوبات على إيران: هل هي بديل للحرب أم استراتيجية مكمّلة لها؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تشديد العقوبات على إيران... بديل للحرب أو مكمّل لها؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

ينظر العديد من المحللين إلى الإعلان عن فرض عقوبات أميركية إضافية صارمة على إيران على أنه خيار بديل للحرب، بل قد يُعتبر دليلاً على فشل الخيارات العسكرية. ومع ذلك، هناك قراءات أخرى لهذا الوضع. في طهران، تم تخليد ذكرى المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي عبر جدارية فنية.

يسود اعتقاد بأن تشديد العقوبات الأميركية على إيران هو نتيجة لإخفاق الخيارات العسكرية ضدها. وفقاً لهذا الطرح، لجأ الرئيس دونالد ترامب إلى تعزيز العقوبات كخيار بديل لدفع إيران إلى التفاوض بشروطه الخاصة، وذلك بعد خسارة الرهان العسكري. ولكن، الحدود بين الحروب الاقتصادية والعسكرية ليست دائماً واضحة.

في القرن التاسع عشر، لم تكن العقوبات الاقتصادية شائعة. كانت الدول تسدد ديونها حتى للدول التي تخوض معها حروباً. تغير هذا الوضع مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وخاصة مع تأسيس عصبة الأمم. اعتقد المنتصرون والخاسرون حينها أن الحصار كان حاسماً في نتيجة الحرب، بحسب نيكولاس مولدر من جامعة كورنيل. يذكر مولدر، مؤلف كتاب "السلاح الاقتصادي: بروز العقوبات كأداة حرب معاصرة"، أنه بينما يُنظر اليوم إلى العقوبات بشكل عام كبديل للحرب، فإن معظم الناس في فترة ما بين الحربين العالميتين اعتبروا "السلاح الاقتصادي" (وهو التعبير السائد قبل استخدام كلمة "العقوبات") "الجوهر الأساسي للحرب الشاملة".

ترامب وإيران... تعديل القول والفعل

يمكن تعديل مقولة كلاوزفيتز الشهيرة بأن "الحرب هي استمرارٌ للسياسة بوسائل أخرى" لتصبح "العقوبات هي استمرار للحرب بوسائل أخرى". وفي حالة إيران، يمكن عكس هذه المقولة أيضاً. فقد بدأت عقوبات ترامب على إيران قبل فترة طويلة من أي حرب عسكرية محتملة ضدها. ولكن، إذا بدا هناك انقطاع بين مرحلتي الحرب والعقوبات على إيران، فذلك يعود إلى أن ترامب، وحتى فترة قريبة، تعامل معهما كخيارين منفصلين ومستقلين. ساعد ذلك على رسم تصور مفاده أن أي مواجهة عسكرية كانت ذروة جميع الضغوط الأميركية السابقة، وبالتالي كان على إيران التفاوض بحسن نية. لكن هذا لم يحدث بسبب هذا التصور تحديداً، حيث صمدت إيران أمام كل الضغوط، مما دفع أميركا إلى التراجع.

الخطأ الكامن في قراءة هذه المعادلة واضح. فبينما يسهل تحديد انتهاء الضغط العسكري، يصعب تحديد نهاية مفاعيل الضغط الاقتصادي. فالأول مدمّر وسريع، بينما الثاني جراحي وبطيء. الأول يطال القيادة العسكرية والسياسية، والثاني ينعكس على الشعب الذي تخشاه تلك القيادة.

بالنسبة لصانع قرار أميركي، لم يكن يُفترض أن تكون الحرب تصعيداً عسكرياً لحصد صفقة، بل فقط لإرجاع البرنامج النووي إلى الوراء، ولجعل الكلفة الاقتصادية للعقوبات أكثر سوءاً. بالتوازي، كان على واشنطن ألا تبادر إلى طلب التفاوض مع إيران. فالعقوبات، والحصار بشكل أشد، هي التي تدفع إيران إلى المبادرة بطلب التفاوض. أما إذا لم تبادر، فستكون قد اختارت العزلة، حيث يمكنها التفكير ملياً بالسؤال الأهم: هل تستحق إعادة إطلاق البرنامج النووي، تحت وطأة العقوبات، صرف عشرات المليارات من الدولارات قبل أن يتعرض للقصف مجدداً؟

إيران... من ألمانيا إلى ليبيا

عقب الحرب العالمية الثانية، لم ترفع الولايات المتحدة العقوبات عن ألمانيا إلا بعد عقد كامل من استسلامها والتأكد من تحولها إلى دولة مسالمة. في فنزويلا، حيث حققت أميركا مؤخراً انتصاراً واضحاً، لا تزال غالبية العقوبات مفروضة. مع طهران، لم يرفع ترامب العقوبات سريعاً، لكنه أمر بالتراجع عن الحصار البحري بمجرد إبرام مذكرة تفاهم كان واضحاً أنها معيبة.

مشكلة ترامب الجلية هي نفوره من الانتظار. لكن نتائج العقوبات تستهلك وقتاً طويلاً قبل التبلور. استغرقت العقوبات على ليبيا نحو 10 أعوام لتسليم المتهمين في تفجير "لوكربي" ودفع التعويضات. وفي جنوب أفريقيا، استغرقت أكثر من عقدين لإنهاء نظام الفصل العنصري. وفي الحالتين، كانت تلك العقوبات أممية.

مع ذلك، لم تكن العقوبات العامل الوحيد الذي صاغ النتائج. في جنوب أفريقيا، حضرت المقاومة الداخلية. ومع ليبيا، ساهم غزو العراق في دفع زعيمها الأسبق معمر القذافي إلى التخلي عن برنامجه لأسلحة الدمار الشامل. قد تنجح العقوبات أو قد تتعثر بحسب ظروفها، خصوصاً أن الدول المعاقبة تتعلم تدريجياً كيف تلتف حولها. لكن الطريق الأسرع إلى إفشالها، هو الطريق نفسها لإفشال الحرب، أي انتزاعها من سياقها واستخدامها لتحقيق غرض دعائي، كصفقة "برّاقة" مثلاً. يجعل ذلك من العقوبات "استمراراً للدعاية، لا للحرب، بوسائل أخرى". يبدو أن واشنطن تتعلم الدرس حالياً ولو بطريقة تدريجية.

شارك الخبر: