لبنان
سياسة

النيل ليس ملكاً لأحد: أديس أبابا تتحكم بمصير النهر أم تتجاوزه؟

النهار١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٠٠ م0 مشاهدة
النيل ليس ملكاً لأحد: أديس أبابا تتحكم بمصير النهر أم تتجاوزه؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مفاتيح النيل ليست في أديس أبابا" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يؤكد الخبراء أن نهر النيل هو مورد دولي مشترك، وليس ملكاً لدولة واحدة، سواء كانت دولة المنبع أو المصب. فالقدرة على بناء السدود لا تمنح الحق في السيطرة على حياة الشعوب الأخرى. وتكمن خطورة التصريحات الإثيوبية الأخيرة في الفلسفة التي تقف وراءها، والتي تختزل نهراً دولياً يعيش عليه الملايين في مجرد مورد وطني تتحكم فيه دولة المنبع. فقد صرح وزير المياه والطاقة الإثيوبي، هابتامو إيتيفا، بأن "مفاتيح" النيل الأزرق أصبحت في أيدي الإثيوبيين، وأن النهر يتحرك وفق قرارهم وحدهم، وهو ما يمثل انتقالاً من المطالبة بحق التنمية إلى ادعاء الحق في التحكم المنفرد.

يتزامن هذا مع خطط إثيوبيا لبناء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق بتكلفة تقديرية تبلغ 10.5 مليارات دولار، وقدرة توليد تصل إلى 5700 ميغاوات. هذه المشروعات ليست مجرد أفكار نظرية، بل تم طرحها ضمن برنامج متكامل للسدود المتتابعة على النهر. ورغم أن من حق إثيوبيا السعي للتنمية وإنتاج الكهرباء، إلا أن المشكلة تبدأ عندما تتحول التنمية إلى أداة للهيمنة، وتتعامل دولة المنبع مع موقعها الجغرافي كسند ملكية للنهر بأكمله. هناك فارق جوهري بين القدرة المادية على حجز المياه والحق القانوني في التصرف فيها؛ فالسد يمنح قدرة هندسية على تنظيم التدفق، ولكنه لا يمنح سيادة قانونية على نهر دولي.

يستند الخطاب الإثيوبي إلى مبدأ "الاستخدام المنصف والمعقول"، لكنه يقدمه بشكل مبتور. فهذا المبدأ لا يعني أن تفعل كل دولة ما تشاء داخل حدودها، ولا يمنح دولة المنبع حق تحديد "حصتها" منفردة. فالعدالة في الأنهار الدولية تُقاس بمجموعة عوامل تشمل حاجات السكان، والاعتماد على النهر، والآثار المحتملة في الدول الأخرى، والبدائل المتاحة، والظروف البيئية والمناخية. وترتبط هذه العوامل بمبادئ التعاون، وعدم التسبب بضرر ذي شأن، وتبادل البيانات والإخطار المسبق بالمشروعات التي قد تؤثر في بقية دول المجرى، وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لاستخدام المجاري المائية الدولية.

الإخطار المسبق ليس مجرد بيان سياسي، بل هو إجراء قانوني وفني يتضمن تقديم الدراسات والتصميمات، وتقييم الآثار البيئية والمائية، والسعات التخزينية، وبرامج الملء والتشغيل، وتأثير المشروعات مجتمعة في سنوات الجفاف الممتد، مع إتاحة وقت كافٍ للدول المتضررة للتشاور. الخطر هنا تراكمي؛ فبينما قد تقول إثيوبيا إن سدود توليد الكهرباء لا "تستهلك" المياه، فإن حجم التخزين، وتوقيت الملء، وقواعد التشغيل، وإدارة الجفاف، كلها عوامل تحدد كمية المياه التي تصل إلى دولتي المصب وموعد وصولها. ومع وجود سلسلة متصلة من السدود، تتضاعف القدرة الإثيوبية على التحكم، وتتضاعف معها المخاطر إذا ظلت الإدارة منفردة وغابت القواعد الملزمة. ويصبح الأمر أكثر خطورة بالنسبة إلى السودان، نظراً لقربه الجغرافي وهامش الاستجابة المحدود لديه.

لذلك، لا يمكن اعتبار السدود الجديدة شأناً إثيوبياً داخلياً. أما دعوة وزير المياه الإثيوبي السابق شيفيراو جارسو إلى مطالبة مصر بتعويضات عن مياه النيل، فهي محاولة لقلب قواعد الأنهار الدولية رأساً على عقب. فالمياه التي تتكون داخل حوض دولي لا تصبح ملكاً تجارياً للدولة التي تهطل فيها الأمطار. وكما لا تدفع دول المصب رسوماً في مقابل الجاذبية التي تنقل المياه إليها، لا تستطيع دولة المنبع إصدار فاتورة عن ظاهرة طبيعية عابرة للحدود. يمكن للدول أن تتفق طوعاً على شراء الكهرباء، أو تمويل مشروعات حماية المنابع، أو تقاسم منافع التنمية، لكن ذلك يختلف عن فرض "ثمن" على المياه الطبيعية. ويتعارض هذا مع إعلان مبادئ عام 2015، الذي وقعته مصر وإثيوبيا والسودان، والذي ينص على أن الدولة التي يتسبب استخدامها بضرر ذي شأن هي التي تتشاور مع الدولة المتضررة لإزالة الضرر أو تخفيفه، ومناقشة التعويض عند الاقتضاء.

المشكلة ليست في ثلاثة سدود فقط، أو في عبارة استفزازية لمسؤول، بل هي محاولة لتأسيس نظام جديد على النيل يقوم على الأمر الواقع. إثيوبيا تبني وتملأ وتشغّل، ثم تدعو دول المصب إلى التكيف مع النتائج. لهذا، فإن الرفض المصري ليس اعتراضاً على التنمية الإثيوبية، بل دفاع عن الحد الأدنى الذي يجعل التعايش ممكناً. المطلوب ليس منع إثيوبيا من إنتاج الكهرباء، بل منع تحويل النيل الأزرق إلى صنبور وطني تتحكم أديس أبابا بفتحه وإغلاقه. فالنيل ليس هبة لدولة واحدة، ولا ملكاً لمنبعه أو لمصبه... إنه مورد دولي مشترك. ومن يملك القدرة على إقامة السدود لا يملك، بقوة الخرسانة، حق السيطرة على حياة الآخرين.

شارك الخبر: