قرى الجنوب تحت الأنقاض: تفجيرات مستمرة تثير تساؤلات حول اتفاق الإطار ودور الدولة


هذا الخبر بعنوان "قرى الجنوب تحت الأنقاض.. تفجيرات متواصلة وأسئلة برسم الدولة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يقف أبو علي أيوب أمام بلدته المدمّرة، يرتشف قهوته ويتناول الحلوى، متأملاً منزله وحياته التي حوّلتها قوات الاحتلال إلى ركام. ما كان يملكه بعد الهدنة، من منزل ومحل ومنازل أولاده، أصبح اليوم أطلالاً. يصف أبو علي هذا الواقع بـ«الجرح القاسي»، مشيراً إلى صعوبة وصف الشعور برؤية المنزل يهوي أمام عينيه.
منذ وقف إطلاق النار، تتعرض بلدات يحمر، أرنون، زوطر الشرقية، والنبطية الفوقا لتفجيرات متواصلة، حولتها إلى ركام. رئيس بلدية كفرتبنيت، الدكتور محمد فقيه، يوضح أن نسبة الدمار في هذه القرى تجاوزت الـ90 في المئة، بعد أن كانت لا تتجاوز الـ30 في المئة عند انتهاء الحرب. فقيه يسعى «لرفع صوت تلك القرى المجروحة»، ويدعو الدولة إلى إعادة النظر في اتفاق الإطار، متسائلاً عن هدفه الحقيقي، وهل هو للتدمير أم للتهجير، في ظل الدمار المتواصل منذ الإعلان عنه.
كانت هذه القرى، قبل عام، تعج بالمهرجانات والاحتفالات التي تحتفي بالتراث والسياحة. لكن الحرب غيرت معالمها. يشير فقيه إلى أن التفجيرات «قلبت القرى رأسًا على عقب»، وأن الاحتلال لم يدمر الحجر فحسب، بل دمر «ثقافة وحياة وتاريخًا، لكنه لم يدمّر إرادة الناس».
تتوالى التفجيرات، ويرتجف قلب الأهالي مع كل واحدة منها. تقول سهام، ابنة بلدة كفرتبنيت، التي تقف يوميًا أمام بلدتها في بلدة شوكين: «رأيت منزلي يتطاير من قوّة التفجير الذي طال حيّنا، طار معه قلبي وحياتي».
في تحرك أُقيم في ساحة سراي النبطية «نصرةً لقرى الجنوب»، حملت يسرى، ابنة بلدة يحمر، علمًا لبنانيًا، مطالبة بحضور الدولة وأجهزتها، وبالجيش الذي يحمي أهله، لا أن يتركهم بلا سند ويدفع بهم نحو اتفاق لم يجلب سوى الدمار. أراد الأهالي تأكيد رفضهم «الوصاية الأجنبية»، وتمسكهم بعزيمة أبناء الجنوب، وبقائهم في أرضهم. والأهم، بالنسبة إليهم، هو انتشار الجيش اللبناني في قراهم لتمكينهم من العودة.
الدكتورة رقية فقيه تؤكد رفضها لاتفاق «أُبرم للقتل والتدمير والتهجير»، وتدعو الدولة، «إن كان لديها ذرّة من الكرامة»، إلى إعطاء إيعاز للجيش اللبناني للانطلاق نحو كفرتبنيت وجاراتها، قبل عودة المدارس وإعادة الإعمار، ليعودوا إلى قراهم وتشعر الدولة بوقفة عز بقرب الناس.
حمل التحرك رسائل واضحة، رُفعت خلاله الأعلام اللبنانية وصور القرى. شارك أبناء ميس الجبل، ومن بينهم أم محمد عيسى، التي رفعت شعار «لا حياة للجنوب دون ميس الجبل». تقول: «نحن أبناء قرى دُمّرت ومُسحت، ونريد العودة إليها. الاحتلال دمّر الحجر، لكنه لم يدمّر إرادتنا ولا حتى عزيمتنا».
الحاجة الستينية تقول: «نريد أن نرى الدولة حاضرة قربنا، معنا. نريدها بالفعل لا بالشعارات. لمرة نريد أن نشعر بهذا الأمر. ومن قال إننا ضدّها؟ فلتتحرّك ونحن خلفها، لكنها لم تفعل، فكيف سنثق بها؟».
حضر سؤال واحد: هل أفاد اتفاق الإطار وجولات الوزراء المنطقة، أم بقيت زيارات شكلية؟ يقول رئيس بلدية كفرتبنيت الدكتور محمد فقيه: «رأينا وزراء يحضرون إلى النبطية، وأغدقوا الكثير من الوعود، لكنها لم تُترجم على الأرض. اليوم نقولها: لن نستقبل أي وزير سيحضر من دون مشروع فعلي للمنطقة. الزيارات للصورة لن نقبل بها بعد الآن».
حضرت عائلة مجزرة أنصار، وأهاليها أيضًا، في التحرك. فاطمة تريد إيصال رسالة واضحة: «لن نقبل أن تتكرّر مجزرة أنصار ومجزرة كفررمان. عائلات قتلها الاحتلال الإسرائيلي، ولم نسمع كلمة إدانة واحدة. لم تدفع الدولة إلى إعادة النظر في اتفاقها». وتخشى فاطمة «تكرار هذه المجازر تحت مسمّى القضاء على بنية عسكرية».
وزير العمل السابق مصطفى بيرم أكد أن «صوت القرى يجب أن يبقى عاليًا، وأن يسمع العالم صوت ما يحصل في الجنوب». ولفت إلى أنّ الشعب يلاحظ أنّ الدولة لا تدافع عنه، بل أبرمت اتفاقاتها ورفضت وقف إطلاق النار الإقليمي الذي أُقرّ لحمايته. وأشار إلى أنّ اتفاق الإطار أبقى إسرائيل، ومنحها غطاءً، ما أدّى إلى تصاعد القتل والتجريف والحرق والتدمير. وتساءل: «هيك الدولة بتحمي حالها؟ بتحمي ناسها؟».
أكد أن الناس لن تنتظر أكثر، قائلًا: «نحنا أصحاب الحق، نحنا أصحاب الأرض، نحنا أهل الوطن». الاعتصام كان لتوجيه رسائل واضحة إلى الدولة: انظروا في الاتفاق وأبعاده، وأعيدوا النظر فيه لتعود الثقة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة