الرسوم الجمركية تفتح جبهة جديدة في حرب المسيّرات العالمية


هذا الخبر بعنوان "حرب المسيّرات تبدأ من الجمارك" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أصبحت التكنولوجيا ساحة للصراع على النفوذ، وتحولت سلاسل الإمداد إلى ركيزة أساسية للأمن القومي، بينما أضحت التجارة بحد ذاتها أداة في يد الجغرافيا السياسية. في معرض موسكو للطيران والفضاء، ظهرت طائرة مسيّرة صينية، مما يؤكد ما أثبتته حروب السنوات الأخيرة من أن المسيّرات قد غيرت موازين القوى العسكرية. لم تعد التكنولوجيا العسكرية حكراً على الطائرات المقاتلة باهظة الثمن أو الأنظمة الدفاعية المعقدة، بل بات بإمكان منظومة منخفضة التكلفة نسبياً أن تؤدي أدواراً حيوية في الاستطلاع والمراقبة والاستهداف والحرب الإلكترونية، وأن تجبر الجيوش التقليدية على إعادة تقييم مفهوم التفوق العسكري ذاته.
تكمن القيمة الحقيقية للمسيّرة في منظومة التكنولوجيا المتطورة التي تقف خلفها، والتي تشمل المحرك، والبطارية، والكاميرا، وأجهزة الاستشعار، والرقائق الإلكترونية، وأنظمة الاتصالات والملاحة، والبرمجيات، فضلاً عن القدرة على معالجة البيانات وربطها بالذكاء الاصطناعي. وعليه، فإن السيطرة على المسيّرة لا تعني مجرد امتلاك السلاح، بل امتلاك التكنولوجيا التي تصنعه، والمكونات التي تشغله، وسلسلة الإنتاج التي تضمن استمراريته. لم يعد الصراع على المسيّرات محصوراً في ساحات القتال، بل امتد ليشمل المصانع ومراكز الأبحاث والموانئ وسلاسل الإمداد والأسواق والجمارك. فالدولة القادرة على إنتاج المسيّرة ومكوناتها وتحديثها بسرعة، تكتسب قدرة تفوق مجرد حيازة منظومة جاهزة.
تكشف الحرب في أوكرانيا عن حجم هذا التحول، حيث تتجه البلاد خلال عام 2026 إلى إنتاج ما بين 6 إلى 7 ملايين مسيّرة FPV صغيرة، مما يشير إلى انتقال المسيّرة من سلاح محدود الاستخدام إلى صناعة حربية واسعة النطاق. وفي هذا السياق، جاء قرار الرئيس دونالد ترامب في 13 أغسطس 2026 بفرض رسوم جمركية مرتفعة على فئات من المسيّرات ومكوناتها. لا يمكن اعتبار هذا القرار إجراءً تجارياً معزولاً، بل هو وضع للتكنولوجيا وسلاسل الإمداد في صميم السياسة الاقتصادية والأمنية الأمريكية. فالرسوم لا تستهدف السعر فحسب، بل تستهدف أيضاً مصدر التكنولوجيا والمكونات ومكان التصنيع. وهذا يدفع الشركات إلى إعادة توزيع مصانعها ومورديها، ويحث الدول على التفكير في أمن سلاسل الإمداد بنفس القدر الذي تفكر فيه بأمن حدودها.
تضع هذه السياسة الصين في قلب المنافسة، حيث لم يعد الصراع الأمريكي-الصيني يقتصر على التجارة، بل امتد ليشمل من يمتلك التقنيات التي ستحدد شكل القوة في العقود القادمة، مثل الرقائق، والذكاء الاصطناعي، والبطاريات، والاتصالات، والروبوتات، والمسيّرات. تبرز هنا قاعدة جديدة في الاقتصاد الدولي: من يملك التكنولوجيا لا يملك منتجاً فحسب، بل يملك هامشاً من القرار السياسي والعسكري. أما الدولة التي تعتمد على الخارج في مكوناتها الحيوية، فقد تجد أن اعتمادها الاقتصادي يتحول إلى قيد استراتيجي في لحظة الأزمة. من هنا، تبرز ملامح «العولمة الآمنة»، حيث لم يعد السعر هو المعيار الوحيد لاختيار المورد، بل أصبحت الثقة السياسية، وأمن التكنولوجيا، واستمرارية التوريد عناصر أساسية في القرار الاقتصادي. وستدفع هذه المعادلة الشركات إلى الموازنة بين الكلفة والقدرة على الصمود، والدول إلى إعادة بناء قطاعات صناعية كانت قد تخلت عنها لمنطق السوق العالمي.
تكشف المسيّرات تحديداً أن ميزان القوة في المستقبل لن يعتمد فقط على امتلاك السلاح الأكثر تطوراً، بل على القدرة على إنتاجه بكميات ضخمة، وتأمين مكوناته، وتحديثه بسرعة. وفي حروب الاستنزاف، قد تكون القدرة على إنتاج ألف مسيّرة إضافية أهم من امتلاك منظومة واحدة أكثر تطوراً. وهذا ما يجعل المسيّرات مقدمة لسباق أوسع، سيمتد إلى الرقائق والروبوتات والذكاء الاصطناعي والأقمار الاصطناعية وأنظمة الطاقة المتقدمة. ومع اتساع هذا السباق، ستتلاشى الحدود بين السياسة الصناعية والأمن القومي. أما الشرق الأوسط، فلن يكون بمنأى عن هذه المعادلة، فقد أصبحت المسيّرات جزءاً من البيئة الأمنية الإقليمية، وأداة لمراقبة الحدود والمنشآت الحيوية والطاقة والموانئ. ومع تشديد القوى الكبرى في نقل التكنولوجيا الحساسة، ستزداد الفجوة بين الدول التي تنتج المعرفة والتكنولوجيا، والدول التي تكتفي بشرائها. لهذا، لا تكمن أهمية القرار الأمريكي في الرسوم نفسها، بل في الرسالة التي يحملها: التكنولوجيا أصبحت مجالاً للصراع على القوة، وسلاسل الإمداد أصبحت جزءاً من الأمن القومي، والتجارة نفسها أصبحت أداة من أدوات الجغرافيا السياسية. المعركة لم تعد فقط على المسيّرات التي تحلق في السماء، بل على المصانع والرقائق والبرمجيات والبيانات والمواد التي تجعلها قادرة على التحليق. وقد لا تبدأ حرب المسيّرات المقبلة بإطلاق صاروخ، بل بقرار جمركي.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد