إسرائيل توسع سيطرتها في الجنوب وتفرض ضغوطاً دبلوماسية: معركة على الأرض وفي نيويورك


هذا الخبر بعنوان ""كماشة" إسرائيل من المنصوري إلى نيويورك: تبديل قواعد التفاوض" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشهد لبنان ضغوطاً متزايدة من إسرائيل على جبهتين: ميدانية ودبلوماسية. فبينما تواصل إسرائيل توسيع سيطرتها على نقاط استراتيجية في الجنوب اللبناني، مثل بلدة المنصوري، وتفرض قصفاً مكثفاً على قرى أخرى، تسعى في الوقت ذاته إلى فرض تغييرات على قواعد التفاوض في نيويورك. وتستفيد إسرائيل من صمت أميركي ضمني لتكريس ما تحققه على الأرض، مما يضع لبنان أمام تحديات كبيرة.
في نيويورك، يواجه لبنان ضغوطاً لفرض "اتفاق إطار" بديلاً من القرار 1701، وهو ما سيؤثر على طبيعة مهام أي قوة دولية ستخلف اليونيفيل. وتصرّ الوفود اللبنانية الرسمية على أن "اتفاق الإطار" هو آلية تفاوضية وليس بديلاً عن المرجعية الدولية التي يوفرها القرار 1701. وفي هذا السياق، تأتي رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرئيس اللبناني جوزيف عون، التي أكدت حرص واشنطن على علاقة وطيدة مع لبنان الرسمي، وذلك رداً على زيارة عون للبيت الأبيض في تموز الماضي.
على الصعيد الميداني، تشير التقارير إلى هندسة عسكرية إسرائيلية متسارعة في الجنوب، مستفيدة من التراخي الدولي. فالتوغل في المنصوري والقصف على مجدل زون ووادي زبقين يهدف إلى السيطرة على المشارف الساحلية ووضع مدينة صور ومحيطها تحت المدى العسكري المباشر. كما تسعى إسرائيل إلى عزل وتفتيت قوس قرى إقليم التفاح والشقيف، تمهيداً لفرض حصار ناري على مدينة النبطية، وذلك عبر استراتيجية "الأرض المحروقة" التي تشمل إحراق حقول الزيتون وتدمير البنى التحتية.
يأتي تحذير قائد اليونيفيل، ديوداتو أبانيارا، من وقوع أكثر من نصف مواقع القوات الدولية تحت السيطرة الإسرائيلية، ليعكس حجم المعضلة التي تواجه هذه القوات مع اقتراب موعد انسحابها. وقد قرر مجلس الأمن تمديد ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، ثم بدء عملية الانسحاب المنظم. ويشير أبانيارا إلى صعوبة تسليم بعض المواقع للجيش اللبناني بسبب وقوعها ضمن مناطق تسيطر عليها القوات الإسرائيلية.
يخوض لبنان معركتين متوازيتين: على الأرض وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة. لكن المواجهة غير متكافئة، فالخرائط تُكتب بالنار في المنصوري والخط الأصفر قبل أن تُعرض في أروقة التفاوض. وما لم يتمكن لبنان من فرملة التمدد الناري، ستظل المعركة الدبلوماسية خاضعة للشروط الإسرائيلية.
تكمن خطورة الوضع في الجنوب في احتمال تحوّل الوقائع الميدانية إلى نقطة انطلاق لأي تسوية لاحقة. فكل توغل جديد وكل قرية تُفرّغ من سكانها يضيف عنصراً جديداً إلى الخريطة التي سيجلس المفاوض اللبناني لمناقشتها. وتجربة تلّة علي الطاهر تقدم نموذجاً واضحاً لكيفية فرض إسرائيل "سيطرة عملياتية" على المرتفعات وتدمير شبكات الأنفاق، تمهيداً لتكرار هذا النموذج في مناطق أخرى.
في نيويورك، تدور المواجهة حول مرجعية الجنوب. فالقرار 1701 يؤمن مرجعية دولية تربط الأمن بالسيادة اللبنانية، بينما يقوم "اتفاق الإطار" على مفاوضات وآليات تنفيذ وضمانات أميركية، مما ينقل مركز الثقل إلى الوساطة الأميركية.
تحمل رسالة ترامب إلى عون دلالة سياسية مزدوجة، فهي تؤكد استثمار واشنطن في العلاقة مع الدولة اللبنانية، لكنها لا تتضمن أي إشارة إلى تغيير المقاربة الأميركية حيال "اتفاق الإطار" أو الوجود الإسرائيلي. ويبقى لقاء رئيس الحكومة نجيب ميقاتي مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مهماً لمنع تحوّل الدعم السياسي للدولة إلى تغطية لمسار تبقى فيه إسرائيل صاحبة اليد العليا ميدانياً.
بالتوازي مع الضغط العسكري، تستعيد إسرائيل تفوقها الاستخباري عبر الإعلام، بنشر روايات عن تصنيع أجهزة مفخخة وملف رون آراد، لتأكيد قدرتها على الوصول إلى خصومها وملاحقة ملفاتها.
في الختام، يعاد تشكيل صورة الجنوب يومياً بالتوغل والتفجير والإخلاء، بينما يحاول لبنان في نيويورك وواشنطن منع تحوّل هذه الوقائع إلى حدود سياسية مكتملة. وتكمن العقدة في تحديد أي منطق سيحكم تنفيذ المفاوضات: هل يقود التفاوض إلى تفكيك الوقائع العسكرية، أم تصبح هذه الوقائع هي التي ترسم سقف التفاوض؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة