إضراب رومية يتصاعد: السجناء يواصلون الاحتجاج وسط تفاقم الأوضاع الصحية


هذا الخبر بعنوان "الإضراب في رومية يتّسع والحالات الحرجة ترتفع" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يتّسع إضراب السجناء في سجن رومية، ليصل إلى يومه الحادي عشر دون أي مؤشرات على تراجع المشاركين. بل إن هناك تلويحًا بتوسيع نطاق التحرك ليشمل مبانٍ وسجونًا أخرى. وتتجاوز الأزمة حاليًا مجرد الاعتراض على تعليق قانون العفو العام، لتصل إلى مستوى أكثر خطورة مع تزايد الحالات الصحية الحرجة وعمليات نقل السجناء إلى المستشفيات.
يواصل أكثر من 400 سجين في المبنى "ب" بسجن رومية إضرابهم عن الطعام، احتجاجًا على وقف مفعول القانون رقم 70/2026 المتعلق بمنح عفو عام وتخفيض استثنائي لبعض العقوبات. ومع امتداد الإضراب، ارتفع عدد الحالات الحرجة إلى 29 حالة، تشمل سجناء مسنين وآخرين يعانون أمراضًا مزمنة. وقد تم نقل عدد منهم إلى المستشفى صباح الأربعاء. وتأتي هذه التطورات وسط أنباء عن موجة جديدة من مرض السل داخل السجن، مما يضاف إلى واقع صحي ومعيشي متدهور أصلاً.
لم تكن الأرقام الحالية منفصلة عن مسار تصاعدي بدأ منذ الأيام الأولى للإضراب. ففي اليوم الخامس، تم نقل أحد المضربين إلى المستشفى بعد تدهور حالته وانخفاض مستوى السكر في دمه. وفي اليوم الثامن، أشارت التقديرات إلى نحو 20 حالة صحية حرجة، مع تسجيل عمليات نقل متكررة بواسطة سيارات الإسعاف. وفي 22 أيلول، نُقل سجين جديد إلى المستشفى إثر تدهور وضعه الصحي، قبل أن يرتفع عدد الحالات الحرجة في اليوم الحادي عشر إلى 29.
من القانون إلى الإضراب:
بدأت الأزمة الحالية خارج أسوار رومية. ففي 12 آب الماضي، أقر مجلس النواب قانون العفو العام وتخفيض بعض العقوبات استثنائيًا، ووقعه رئيس الجمهورية جوزاف عون في 4 أيلول ليصبح القانون رقم 70/2026. إلا أن المسار التنفيذي توقف سريعًا، إذ أصدر المجلس الدستوري في 10 أيلول القرار رقم 10/2026، وقضى بالأكثرية بوقف مفعول القانون مؤقتًا بعد الطعن المقدم به، إلى حين البت بالمراجعة من حيث الأساس. وجاء الطعن من نواب في تكتّل "لبنان القوي"، التابع لـ"التيار الوطني الحر"، الذين اعترضوا على جوانب في القانون ومدى شموله فئات من المحكومين. ولا يعني قرار المجلس الدستوري حتى الآن إبطال القانون، بل تعليق مفاعيله ريثما يصدر القرار النهائي في الطعن.
بعد يومين على قرار التعليق، بدأ أكثر من 400 سجين في المبنى "ب" إضرابًا مفتوحًا عن الطعام، وبعضهم عن تناول الأدوية أيضًا، فتحول قرار قضائي احترازي إلى شرارة أعادت ملف السجون إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي. غير أن الإضراب لا يمكن فصله عن أزمة أقدم بكثير من قانون العفو. فسجن رومية يعاني منذ سنوات اكتظاظًا حادًا وتأخرًا في المحاكمات ونقصًا في الخدمات الصحية والاستشفائية. وكانت تقارير منشورة خلال العام الحالي قد أشارت إلى تجاوز الاكتظاظ مستويات مرتفعة جدًا مقارنة بالقدرة الاستيعابية، وأن نسبة كبيرة من نزلاء السجون اللبنانية هم من الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام نهائية بعد.
وهكذا، جاء تعليق قانون العفو في لحظة كان جزء من السجناء يعول عليه كمدخل لمعالجة ملفات معلقة منذ سنوات، لتتحول خيبة تعليق التنفيذ إلى تحرك مفتوح لا تبدو نهايته قريبة حتى الآن.
من 20 حالة حرجة إلى 29:
لكن اليوم الحادي عشر يختلف عن بداية الإضراب. فالضغط لم يعد سياسيًا أو معنويًا فقط، إذ بدأ عامل الوقت يتحول إلى عنصر صحي ضاغط، ولا سيما بالنسبة لكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة. وبحسب مصدر قضائي نقلت عنه وكالة "فرانس برس"، يوجد بين المضربين نحو 80 سجينًا يعانون أمراضًا مزمنة، فيما تتابع السلطات أوضاعهم الصحية يوميًا، مع تجهيز سيارة إسعاف للتعامل مع الحالات التي تستدعي النقل إلى المستشفى. إلا أن تكرار عمليات النقل خلال الأيام الماضية وارتفاع عدد الحالات الحرجة يعكسان أثر استمرار الامتناع عن الطعام والدواء على مجموعة تعاني أصلاً أوضاعًا صحية هشة.
والأكثر حساسية أن الإضراب يأتي في بيئة سجنية تعاني أصلاً مشكلات صحية واكتظاظًا شديدًا، مما يجعل أي انتشار لمرض معدٍ، ومنه السل الذي أفادت معلومات برصد موجة جديدة منه، عاملًا إضافيًا في رفع مستوى المخاطر داخل المبنى.
"الإضراب سيتوسع":
في المقابل، لا تقف مؤشرات التصعيد عند حدود المبنى "ب". إذ تقول "المبادرة اللبنانية للعفو العام"، التي تواكب تحرك السجناء، إنها تتلقى رسائل واتصالات من موقوفين في مبانٍ أخرى داخل سجن رومية، بينها مبنى المحكومين، ومبنى الأحداث، ومبنى الموقوفين "ج" و"د"، فضلاً عن سجناء في زحلة والقبة وحلبا، يبدون رغبتهم في الانضمام إلى الإضراب. ووفق ما نقلته المبادرة عن هؤلاء، فإن التردد في توسيع التحرك مردّه إلى مخاوف من الإجراءات التي قد تتخذها إدارات السجون حيال المضربين. كما يقول سجناء تواصلوا معها إن ظروف المبنى "ب" مختلفة نظرًا للاهتمام السياسي والديني والإعلامي بملف الموقوفين الإسلاميين الموجودين فيه، إضافة إلى متابعة أوضاع السجناء السوريين. وهذه توصيفات صادرة عن السجناء والمبادرة، ولا تتوافر معطيات مستقلة تثبت أن التعامل الأمني مع أي تحرك محتمل في بقية السجون سيكون على النحو الذي يتخوفون منه.
مع ذلك، فإن انتقال فكرة الإضراب إلى أكثر من سجن يرفع مستوى الضغط على الدولة، لأن ما بدأ احتجاجًا محصورًا في مبنى واحد قد يتحول، في حال انضمام مجموعات أخرى، إلى تحرك أوسع يضع ملف السجون كله، لا قانون العفو وحده، أمام المؤسسات الرسمية.
الوروار أيضًا في الواجهة:
وبالتوازي، دخل مركز تأهيل الأحداث في الوروار على خط الأزمة الحقوقية، بعدما أعلنت "الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان"، المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، نتائج زيارة ميدانية مفاجئة نفذتها في 17 أيلول، ودعت إثرها إلى تدخل حكومي عاجل لحماية 148 حدثًا موجودين في المركز. وكشفت الهيئة عن ثغرات في ظروف العزل والرعاية الصحية والنظافة والحراسة وبرامج التأهيل. ووفق تقريرها، لا يتوافر في المركز طبيب أو ممرض بصورة منتظمة، كما توجد صعوبات في نقل الحالات إلى المرافق الصحية، فضلاً عن استمرار حالات من الجرب والفطريات والالتهابات الجلدية وعدم انتظام توفير بعض الأدوية.
وأشار التقرير أيضًا إلى إفادات عن محاولات سابقة لإيذاء النفس أو الانتحار بين بعض الأحداث، داعيًا إلى تعزيز خدمات الصحة النفسية وآليات المتابعة، دون أن يعتبر هذه الإفادات جميعها وقائع مثبتة قبل إجراء التحقيقات اللازمة. وهذا التزامن بين إضراب رومية ونتائج تقرير الوروار يعيد النقاش إلى أصل المشكلة: أزمة السجون في لبنان لا تبدأ بقانون العفو ولا تنتهي به. فالعفو قد يخفض عدد النزلاء أو يغير أوضاع فئات منهم إذا استعاد القانون مفاعيله، لكنه لا يحل بمفرده أزمة التوقيف الطويل، والاكتظاظ، وبطء المحاكمات، والرعاية الصحية والبنية المتداعية للسجون.
الأنظار إلى المجلس الدستوري:
سياسيًا، تبقى العقدة الآن عند المجلس الدستوري. فقرار وقف تنفيذ القانون كان مؤقتًا ومرتبطًا بالنظر في الطعن، ما يعني أن مصير قانون العفو سيحدد عند صدور القرار النهائي، سواء برد الطعن وإعادة العمل بالقانون، أو قبول الاعتراضات كليًا أو جزئيًا وما يترتب على ذلك قانونيًا.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة