لبنان
منوعات

في رحاب الذكرى والحنين.. استحضار لصورة الأم ودفء حضورها الغائب

النهار٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٣٥ ص0 مشاهدة
في رحاب الذكرى والحنين.. استحضار لصورة الأم ودفء حضورها الغائب

تنويه

هذا الخبر بعنوان "إلى أمي" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في صورتِها القديمةِ في الذاكرة، كأثرٍ عتيق معلّقةً على الجدار، مثل لوحة نجت من زمنٍ غابر، لصبيّةٍ يعلوها بهاءٌ خافت، بتسريحةٍ ملكيّةٍ تُثبّتُ ما تبقّى من مجدٍ منسيّ، تبدو تعبيرية مصعب الشيخ علي في صورتِها القديمةِ في الذاكرة كأثرٍ عتيق معلّقةً على الجدار، مثل لوحة نجت من زمنٍ غابر، لصبيّةٍ يعلوها بهاءٌ خافت، بتسريحةٍ ملكيّةٍ تُثبّتُ ما تبقّى من مجدٍ منسيّ، وبفستانٍ ملوّنٍ تتناثرُ ألوانُهُ بخفّة، تحفُّ بقدميها أزهار الربيع، كأنّها آخرُ ما تبقّى من خصبٍ يُقاوم.

تمنحُ الأرضَ سقياها لتفيضَ وتتذكّر أنّها كانت يوماً تخضرّ، فينبثقُ عشبٌ فتيٌّ كذكرى، وتنهضُ أطفالها من طينٍ لم يجفّ، ويطلُّ غدٌ على شفتيهِ ابتسامة هادئة كأنّهُ يُطمئنُ زمناً لم يعُد يثقُ بما يأتي من خلفِ الغيم. ماذا تبقّى من الزمنِ لنمضي إليه، وماذا تبقّى من المكانِ لنبلغَه؟ لقد كبرنا دفعةً واحدة، كأنّ الأعوامَ سقطت علينا فجأةً فأطفأت ما كان فينا من خِفّة.

نسينا الركضَ فوق التلالِ عند الغروب حين كانت الشمسُ تمسّنا بأطرافها المنسحبةِ برفق كأنّها تودّعنا دون أن تُفصح، ونحن نطاردُ الفراشات قرب السور تحت قلعةِ المدينة باندفاعٍ لا يعرفُ ما ينتظره، كفتيانٍ يشقّون دروبَ الحياةِ متهورين بريئين يعودون مُلطّخين بالوحل عند انطفاءِ النهار، فتغسلهم يداها بماءٍ فاترٍ وغار لتُعيد ترتيبَ فوضى أجسادهم بعد الغياب وتُدثّرهم بالأغطيةِ الثقيلة اتّقاءً لبردٍ لا يُرى ولزكامٍ ولخوفٍ أعمق من ليلٍ يتسرّبُ من شقوق الجدران.

ماذا تبقّى من الذكرياتِ لنحنّ إليه وقد صارت المسافةُ بيننا عمراً آخر يتكاثرُ فيه الغرباء؛ وجوهٌ عابرة تمرُّ بنا كما لوhazardous أنّها تقتطعُ منّا ما تبقّى تسرقُ اليومَ والغد ثم تمضي كما جاءت غريبة، لنظلّ نحن في هذا الفراغِ المتّسع وحدنا لا نعثرُ على عزاء سوى ببقايا حنينٍ يتآكل ببطء على مرّ الأيام.

يبقى كلُّ صباحٍ كشعلةٍ لا تنطفئ، وجهُ أمّي يطلُّ من الساحاتِ والشوارعِ والأرصفةِ الغريبة بينما تصطكُّ رقائقُ المعدنِ بين أكفِّ الباعةِ في الحوانيت كأنّ الزمنَ يُعدُّ أنفاسهُ على وقعِ ذلك الرنين. ويبقى صوتُها يتردّدُ في أعماقِ الذاكرة حنوناً يوقظُ ما خمدَ من مشاعر تحتَ رمادِ غيابٍ طويل.

لعيني أمّي التي تظلُّ ساهرةً أمامَ الرياح تحرسني من مسافةٍ لا تُقاس، فوق سفنٍ راسيةٍ في موانئَ غريبة بين ضبابٍ لا ينقشع، أصلّي وأُسرفُ في الدمع حتى يعودَ إلى عينيَّ بريقها القديم كأنّهُ لم ينطفئ يوماً، ويحملني كلَّ مساءٍ إلى حضنٍ دافئ لا يبلغهُ أحد وصعب المنال يوقد شتاءً برد الأسرّة وفي أيّار يزهر أوراق الرّبيع ويعيد إليّ من فجوة الفقدان حيوية لفتىً كان يركضُ تحت الغيم فوق التلال.

يزحزح هذا الهواء المشدود في المكان ويطلق ذراعيّ كفرسٍ بيضاء تندفع تحت شمس الصيف حرّاً خالياً من خوف الغد من التوجس من الأيادي والوجنات والجباه المتصلبة ليفتح لي العالم كله كما كبرنا دفعة واحدة. أمي بعيناها، الصوت المنبعث من شفاها، تذكار الصورة القديمة ووقار السنين الطويلة تختزل العالم كله في إطلالة واحدة.

شارك الخبر: