رحلة الفيلسوف شارل مالك مع مارتن هايدغر: كيف تحول سؤال الوجود إلى قضية وطن؟


هذا الخبر بعنوان "شارل مالك وهايدغر: عندما أصبح السؤال وطناً" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعد مسيرة المفکر اللبناني شارل مالك رحلة فکریة فریدة انتقل فیها سؤال الوجود من قاعات الفلسفة الأکادیمیة إلی الإنسان وحقوقه، ثُم إلی الدولة، وصولًا إلی قضیة لبنان الكبرى. بدأت هذه الرحلة في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين عندما سافر الشاب اللبناني شارل مالك إلی ألمانيا للدراسة تحت إشراف مارتن هايدغر، أحد أبرز فلاسفة القرن العشرين في فرايبورغ، باحثاً في عمق سؤال الوجود وما يعنيه أن يكون الإنسان موجوداً. وقد توج هذه المرحلة بأطروحة الدكتوراه من جامعة هارفرد عام 1937 بعنوان «ماورائيات الزمن في فلسفتي ألفرد نورث وايتهد ومارتن هايدغر».
لم تقتصر هذه التجربة على الجانب الأكاديمي، بل شكلت بذرة لسؤال طويل رافق مالك طوال حياته، متحولاً تدريجياً من الوجود المطلق إلى الإنسان، ومن ثم إلى الحرية والحقوق والدولة. فبعد عودته إلى لبنان، درّس الفلسفة في الجامعة الأميركية في بيروت، لكن أهوال الحرب العالمية الثانية دفعت السؤال الفلسفي نحو آفاق سياسية وقانونية وأخلاقية جديدة. وفي عام 1947، برز دور شارل مالك الدولي عندما دخل في صميم صياغة الإعلان العالمي لشرعة حقوق الإنسان، وعمل مقررًا للجنة حقوق الإنسان، مشاركًا إليانور روزفلت وبنغ-شون تشانغ في هذا المسار التاريخي حتى ترأس اللجنة الثالثة للجمعية العامة عام 1948 في باريس.
ومع تفاقم الأزمات السياسية المحلية، لا سيما أزمة عام 1958 في لبنان، انتقل السؤال ليشمل مفهوم الدولة والسيادة. حينها، تولى شارل مالك وزارة الخارجية ووزارة التربية الوطنية في حكومة سامي الصلح بعهد الرئيس كميل شمعون، وعمل على رفع قضية لبنان إلى مجلس الأمن لحماية استقلاله. وفي 4 حزيران 1956، ألقى مالك محاضرته الشهيرة «الوجود بالفعل» في الندوة اللبنانية، متسائلًا عن المعنى العميق لوجود لبنان الذي يتجاوز مجرد الحدود الجغرافية ليصبح فكرة مرتبطة بالحرية والتعدد والسيادة والمسؤولية التاريخية.
وفي خضم الحرب اللبنانية التي اندلعت عام 1975، شارك مالك في تأسيس «جبهة الحرية والإنسان في لبنان» عام 1976 والتي تحولت لاحقًا إلى «الجبهة اللبنانية». وساهم في صياغة وثيقة «لبنان الذي نريد أن نبنيه» الصادرة في 23 كانون الأول 1980، والتي دعت إلى دولة حرة مستقلة ذات سيادة، وإعادة النظر في الصيغة السياسية القائمة دون التقسيم أو توطين الفلسطينيين. ورغم قسوة الاختبارات السياسية، ولا سيما بعد اغتيال بشير الجميل في أيلول 1982، ظلت مسيرة شارل مالك رحلة متصلة بدأ فيها السؤال فلسفيًا مع مارتن هايدغر وانتهى وطنيًا بامتياز.
سياسة
ثقافة
ثقافة
سياسة