لبنان
سياسة

مدينة تعز اليمنية: بين إرث العلم والتجارة وقسوة الحصار والحرب

النهار٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٣٣ ص0 مشاهدة
مدينة تعز اليمنية: بين إرث العلم والتجارة وقسوة الحصار والحرب

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تعز... حين تحاصر الحرب ذاكرة اليمن" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

عاش الزيدي والشافعي والإسماعيلي في مدن واحدة، وتجاورت القبائل والمناطق، وتداخلت الأسواق والبيوت والمصالح، وكان الانتماء الوطني، رغم كل عثراته، أوسع من الانتماء المذهبي.

تعود مدينة تعز، في قلب اليمن، إلى صدارة الأنباء من بوابة الحرب، لا من نافذة الثقافة والتجارة التي عُرفت بها، وكأن قدر المدينة أن تُقدَّم للعالم من خلف المتاريس، لا من بين صفحات الكتب التي صنعت جانباً مضيئاً من تاريخ اليمن.

تعز مدينة قديمة في الذاكرة اليمنية، من الحميريين وما قبلهم إلى عاصمة الجند حيث وصل معاذ بن جبل وبنى أول مسجد في اليمن. دخلها توران شاه، شقيق صلاح الدين الأيوبي، في القرن السادس الهجري، ثم جاء عصر الدولة الرسولية، فاتخذت منها عاصمة، وتحولت على مدى أكثر من قرنين إلى مركز سياسي وعلمي وتجاري بارز. وحكمت الدولة الرسولية اليمن بين 1229 و1454م، وكانت من أطول الدول عمراً في تاريخ اليمن الوسيط.

لكن قيمة تعز لا تكمن في كونها عاصمة فحسب، بل في أنها كانت مدينة يتّسع فيها الوقت للعلم، والمجتمع للاختلاف، والعقل للابتكار. يكفي أن نتأمل أعمال إسماعيل بن المقري؛ ففي كتابه «الشرف الوافي في علم الفقه والتاريخ والنحو والعروض والقوافي» تتجاور خمسة علوم في بناء شديد التعقيد، يجعل القارئ ينتقل بين أبواب المعرفة واتجاهاتها داخل الصفحة نفسها، من يمينها أو أعلاها أو وسطها، في تصميم رياضي سابق لزمن الذكاء الاصطناعي.

وفي الفترة نفسها، كان اللغوي الفيروز آبادي يقدّم للعالم «القاموس المحيط» من هذا المكان. ذلك هو الوجه الآخر لتعز: مدينة تسمح للحياة بأن تتنفس، وللعلم أن يتراكم، وللتجارة أن تزايد وتزدهر.

يحمل التاريخ اليمني وجهاً آخر تعاقبت عليه حروب وصراعات مذهبية ومناطقية تركت جراحاً عميقة في الذاكرة. ومع الوقت، غلبت ذاكرة الدم ذاكرة العمران، فصرنا نستعيد اليمن من خلال حروبه أكثر مما نستعيده من خلال أسواقه ومدارسه وكتبه ومدنه المفتوحة على بعضها. ومن يقرأ ما كتبه القاضي الموزعي في كتاب الإحسان عن اليمن في العصر العثماني، يرى كيف كانت تعز في قلب صراع يتجاوز حدودها، وكيف استطاع خطاب التعبئة الدينية والمناطقية أن يحوّل الخلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية.

منذ ثورة السادس والعشرين من أيلول/سبتمبر 1962، حاول اليمن الخروج من احتكار السلطة باسم السلالة أو المذهب، والانتقال إلى فكرة الدولة والمواطنة. ثم جاءت الحركة الحوثية بخطاب أعاد المذهب إلى مركز الصراع السياسي، مستنداً إلى منظومة فكرية وسياسية بدأت بما عُرف بـ«الملازم الحوثية» والوثيقة الثقافية الزيدية للحركة، وانتهت إلى ممارسة السلطة بالقوة والسلاح، وتكريس الصراع المناطقي.

وتعز هي الاختبار الأوضح؛ فالمدينة التي كانت عاصمة للعلم والتجارة تحولت منذ 2015 إلى واحدة من أبرز جبهات الحرب، وشهدت حصاراً وعمليات عسكرية وقصفاً طال أحياء مأهولة وثقتها تقارير أمميّة.

إن الدفاع عن تعز ليس دفاعاً عن جغرافيا فحسب، بل عن فكرة اليمن: دولة لا تُحكم بالسلالة أو المذهب أو المنطقة، ودولة يكون فيها الاختلاف طريقاً إلى السياسة لا ذريعة للحرب.

شارك الخبر: