ما بعد صيغة الإطار: لبنان في خضم معركة التفاصيل الدقيقة والآليات التنفيذية


هذا الخبر بعنوان "صيغة الإطار لا تكفي: لبنان يدخل معركة التفاصيل" نشر أولاً على موقع المركزية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في المشهد السياسي، تكمن خطورة الاتفاقات الحقيقية في التفاصيل التي تتركها للمراحل اللاحقة لا فيما تعلنه صراحة. وهذا تماماً ما ينطبق على “صيغة الإطار” المتعلقة بللبنان، إذ تقتصر في جوهرها على رسم العليامات الكبرى دون إنجاز التسوية برمتها. من هنا تحول المسار بسرعة من تثبيت الإطار السياسي إلى روما، حيث انطلقت المعركة الفعلية المتمثلة بتفاصيل تحويل المبادئ إلى آليات تنفيذية قابلة للتطبيق، وتحديداً في الشق العسكري المرتبط بالانسحاب الإسرائيلي المتدرج.
لقد أثبتت التجربة السابقة أن الاتفاق السياسي لا ينتج آلياً اتفاقاً تنفيذياً مهما بلغت وضوحه. فاتفاق 27 تشرين الثاني 2024 كان واضح المعالم في خطوطه الكبرى، غير أن التنفيذ أظهر أن كل بند سياسي يخبئ خلفه حزمة من التساؤلات العسكرية والميدانية التي لا يجوز تركها للاجتهاد. وما يجري حالياً ليس سعياً لإعادة التفاوض حول الإطار بل محاولة جادة لتفادي اتساع الفجوة بين التسويات السياسية وما يُطبق فعلياً على الأرض. فالانسحاب المتدرج يمثل عملية عسكرية متكاملة تتطلب جدول مراحل، وحدوداً جغرافية، وآليات تحقق، إضافة إلى تنسيق ميداني وضمانات تمنع أي طرف من استغلال المرحلة الانتقالية لفرض وقائع جديدة.
ويكتسب الاجتماع العسكري المرتقب في تامبا في العشرين من الشهر الجاري أهمية استفزازية تفوق أي بيان سياسي، إذ يُفترض أن تُترجم فيه التفاهمات السياسية المنتجة في روما إلى خرائط ومواعيد وآليات عملية. ويبرز الدور الأمريكي كعامل مؤثر رئيسي بفضل الاندفاعة التي قادها فريق عسكري أمريكي يعمل بالتوازي في بيروت وتل أبيب، ما منح الوساطة أبعاداً جديدة تتجاوز الدبلوماسية التقليدية نحو ترجمة الخلافات السياسية إلى حلول عسكرية قابلة للتنفيذ. ويبقى الاختبار الأساسي متمثلاً في قدرة واشنطن على تحويل هذه التسويات الوسطية إلى التزامات ملزمة للجميع.
وتظل العقدة المركزية متمثلة في الجانب الإسرائيلي، فإقدام بنيامين نتنياهو على عمل عسكري واسع النطاق قد ينسف مسار التفاصيل ويهدد مستقبل المسار بأكمله ويعيد ترتيب المعادلات القائمة. ومن هذه الزاوية، يبرز الساحتان الإقليميتان كاحتمال ذي دلالة لتفريغ فائض القوة الإسرائيلية دون نسف المسار اللبناني، حيث قد يتحول اليمن إلى مساحة للاشتباك وتحويل الإنجاز العسكري إلى رأسمال سياسي في حال حاول نتنياهو الاستثمار في هذا الدور خليجياً وفتح الأبواب مجدداً أمام ملف العلاقات مع السعودية واتفاقات ابراهام.
في المقابل، يتطلع لبنان الرسمي نحو مرحلة جديدة ترتكز على حصر العمليات العدائية والتركيز ريثما تنتهي الانتخابات الإسرائيلية على إعادة الإعمار والتنمية في المناطق النموذجية من زوطر الغربية إلى فرون، سعياً لجعل الاستقرار أكثر كلفة لمن يسعى لتقويضه. غير أن هذا الانتقال يظل مرتبطاً بشرط لبناني جوهري يتمثل في الانسحاب الإسرائيلي الكامل، تماماً كما تتطلب المرحلة مطالبة الدولة اللبنانية بتعزيز احتكارها للقرار الأمني والعسكري، ومطالبة الولايات المتحدة بتحويل نفوذها إلى ضمانات تنفيذية صلبة، لتؤكد “صيغة الإطار” أنها بداية وليست نهاية لمسار طويل يحدد مصيره الجيش والدبلوماسية والضمانات الدولية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة