ظاهرة "إل نينيو" عام 2026: العالم على أعتاب اضطراب مناخي تاريخي


هذا الخبر بعنوان ""إل نينيو" 2026: العالم أمام أحد أقوى اضطرابات المناخ في التاريخ الحديث" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تحذر تقارير بيئية ومناخية من تطور ظاهرة "إل نينيو" لتصبح "وحشية"، مع توقعات بتأثيرات واسعة على ملايين البشر في الخريف المقبل. وتشير تقديرات إلى احتمال بنسبة 81% لتطور حدث "شديد جداً" بين تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر المقبلين. وتذهب البيانات الرسمية الأحدث من الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) إلى أبعد من ذلك، حيث تتجاوز احتمالات أن يصبح "إل نينيو" شديداً جداً خلال خريف وشتاء 2026-2027 الـ 90%، مع احتمال بنسبة 69% للوصول إلى مستوى تاريخي يتجاوز كل ما سُجّل منذ عام 1950 وفق المقياس النسبي.
تنشأ ظاهرة "إل نينيو" عندما تصبح مياه وسط وشرقي المحيط الهادئ الاستوائي أشد دفئاً من المعتاد، بالتزامن مع ضعف الرياح التجارية التي تدفع المياه الدافئة غرباً. يؤدي هذا إلى تحرك كتل حرارية ضخمة شرقاً، وتغير مناطق تشكل السحب وهطول الأمطار، مما ينعكس على دوران الغلاف الجوي على بعد آلاف الكيلومترات. تتكرر دورة ENSO، التي تضم "إل نينيو" وطورها المعاكس "لا نينيا"، عادة كل سنتين إلى سبع سنوات، لكن قوة دورة 2026 هي ما يستدعي الانتباه.
تكمن المشكلة الأساسية في أن ظاهرة "إل نينيو" تتطور هذا العام فيما يبقى كوكب الأرض أشد حرارة أصلاً. تؤكد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) أن الظاهرة تتطور وسط ارتفاع استثنائي في حرارة المحيطات العالمية، مع احتمال تشكّل الطور الإيجابي من ثنائي قطب المحيط الهندي (IOD). هذا الاجتماع بين الظاهرتين قادر على تعزيز الجفاف والفيضانات ورفع مخاطر الحرائق في أجزاء من آسيا وأفريقيا وحوض المحيط الهندي. وتظهر بيانات مكتب الأرصاد الأسترالي أن متوسط حرارة سطح المحيطات العالمية في تموز/يوليو 2026 كان أعلى بـ0.57 درجة مئوية من متوسط 1991-2020، مسجلاً أحر يوليو للمحيطات منذ عام 1900. وبالتالي، فإن الحرارة الإضافية التي يضخها "إل نينيو" تأتي فوق خط أساس مرتفع أصلاً نتيجة الاحترار العالمي.
ومع ذلك، من الضروري تجنب المبالغة؛ فقوة "إل نينيو" لا تترجم آلياً إلى شدة الطقس في كل بلد. قد يكون الحدث شديداً في المحيط، بينما تكون آثاره أقل من المتوقع في منطقة معينة، والعكس صحيح، نظراً لتداخل عوامل مثل أنماط المحيط الأطلسي والهندي، والتيارات النفاثة، والضغط الجوي، وعوامل محلية أخرى.
رابحون وخاسرون من المطر:
لا يجعل "إل نينيو" العالم كله أشد جفافاً أو رطوبة، بل يعيد توزيع المطر. في الولايات المتحدة، تميل فصول شتاء "إل نينيو" إلى زيادة فرص العواصف والأمطار في الجنوب، بينما ترتفع احتمالات الطقس الأكثر جفافاً في أجزاء من الشمال. أما أستراليا، فتاريخياً، ترتبط "إل نينيو" بانخفاض الأمطار في أجزاء واسعة منها، مع استمرار الظروف الدافئة واضطراب أنماط الهطول. وفي أفريقيا، تزداد الصورة خطورة اقتصادياً وإنسانياً؛ ففي أجزاء من شرقي القارة، يرتبط "إل نينيو" تاريخياً بأمطار أقل خلال موسم معين، بينما يمكن أن يحدث العكس في مناطق أخرى مع فيضانات واسعة. أما جنوب القارة فيميل إلى الجفاف، ما يهدد محصول الذرة الأساسي، وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة (فاو) الأممية.
الزراعة خط الدفاع الأول:
وضعت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) الزراعة في مقدمة القطاعات المعرضة للخطر. فقد وجد تحليل يستند إلى 41 عاماً من بيانات الأقمار الاصطناعية أن احتمالات الجفاف الزراعي المرتبط بـ "إل نينيو" مرتفعة في مناطق عديدة تشمل الساحل الأفريقي وجنوبي أفريقيا، وجنوبي وجنوب شرقي آسيا، والممر الجاف في أميركا الوسطى والكاريبي. وفي بعض المناطق، تتجاوز احتمالات الجفاف الـ 50%. حذرت المنظمة من تأثير نقص المياه في المحاصيل الأساسية مثل الذرة والأرز، مشيرة إلى انخفاض إنتاج الذرة الهندي بنحو 4% والأرز بنحو 1% في عام 2015، وهو عام "إل نينيو" قوي. كما ترك "إل نينيو" 2015-2016 نحو 3.5 ملايين شخص يعانون بسبب انعدام الأمن الغذائي في "الممر الجاف" بأميركا الوسطى، وانهارت المحاصيل في بعض أجزاء هايتي بما يصل إلى 70%.
التأثير الاقتصادي العالمي:
تكتسب هذه المخاطر حجماً أكبر لأن "إل نينيو" يأتي هذه المرة فيما تتعرض سلاسل الغذاء والطاقة والأسمدة لضغوط جيوسياسية وتجارية. هنا، يتحول "إل نينيو" من ملف للمناخ إلى ملف للبنوك المركزية ووزارات المال. انخفاض إنتاج المحاصيل الأساسية في دولة منتجة لا يبقى داخل حدودها، بل ينتقل بالتجارة إلى أسعار السلع، ثم إلى تكاليف المصانع والمتاجر، وصولاً إلى فاتورة المستهلك. وجدت تحليلات سابقة من صندوق النقد الدولي أن أحداث "إل نينيو" تؤثر بصورة ملموسة في أسعار السلع والنشاط الاقتصادي، وأن صدمات ENSO ارتبطت تاريخياً بارتفاع تضخم أسعار السلع الأولية الحقيقية. ووفقاً لتقديرات البنك المركزي الأوروبي، ارتبط ارتفاع حرارة "إل نينيو" درجة مئوية واحدة بزيادة أسعار الغذاء العالمية بأكثر من 6% بعد نحو عام. وهذا يوضح لماذا تراقب البنوك المركزية المحيط الهادئ إلى جانب أسعار النفط والفائدة.
تأثيرات متنوعة على الأعاصير والمناطق:
في المحيط الأطلسي، يؤدي "إل نينيو" عادة إلى زيادة قص الرياح العمودي، مما يصعّب على العواصف المدارية التحول إلى أعاصير قوية، ويسهم في خفض نشاط الأعاصير الأطلسية. أما في وسط المحيط الهادئ وشرقه، فيمكن أن تصبح الظروف أكثر ملاءمة لتطور الأعاصير المدارية. بالتالي، ليس صحيحاً وصف "إل نينيو" بأنه يزيد الأخطار المناخية في كل مكان وبالطريقة نفسها؛ إنه ينقل المخاطر ويعيد توزيعها.
الشرق الأوسط والعالم العربي:
تأثير "إل نينيو" في الشرق الأوسط أقل مباشرة وانتظاماً من تأثيره في مناطق أخرى. ولا يصح القول إن "إل نينيو" يعني تلقائياً شتاء ممطراً أو جافاً في المنطقة. لكن دراسات مناخية وجدت أن فصول "إل نينيو" يمكن أن تترافق مع زيادة تواتر أحداث الهطول الشتوي في أجزاء من الشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية. الأثر العربي الأوضح قد يكون اقتصادياً؛ فمعظم دول المنطقة تستورد نسباً كبيرة من حاجاتها الغذائية، وإذا ضرب الجفاف منتجي المحاصيل الأساسية، فإن الأثر يصل إلى المنطقة عبر الأسعار الدولية وتكاليف الاستيراد. كما أن تطور ثنائي قطب المحيط الهندي بالتزامن مع "إل نينيو" يستحق المتابعة، خصوصاً بالنسبة إلى الدول المحيطة بالمحيط الهندي وبحر العرب، لأن تزامن النظامين قادر على تضخيم الاختلالات الإقليمية في الأمطار والجفاف.
"وحش" مناخي... لكن ليس نبوءة كارثية:
وصف الحدث المقبل بأنه "Monster El Niño" جذاب إعلامياً، لكنه يحتاج إلى تفسير علمي. "الوحش" ليس اسماً رسمياً؛ التصنيف العلمي هو "إل نينيو شديد جداً". كما أن ارتفاع مؤشر حرارة المحيط إلى مستوى تاريخي لا يعني بالضرورة أن كل فيضان أو جفاف أو موجة حر ستكون قياسية. ما تقوله المؤشرات في منتصف آب/أغسطس 2026 هو أن احتمالات حدوث "إل نينيو" استثنائي أصبحت مرتفعة للغاية، والعالم يملك أشهراً من الإنذار المسبق قبل بلوغ التأثيرات ذروتها. الحكومات تضع احتمال الحدث الشديد جداً فوق 90%. مكتب الأرصاد الأسترالي يرى مؤشرات محيطية وجوية قوية وحرارة قياسية تحت سطح المحيط. والنماذج تكاد تجمع على استمرار الظاهرة إلى 2027، مع توقع حرارة أعلى من المعتاد في مساحات واسعة من العالم وتحولات كبيرة في الأمطار.
الفرق هذه المرة أن الحكومات والمزارعين وشركات التأمين وأسواق السلع والبنوك المركزية يعرفون مسبقاً أن الاحتمال آتٍ. في ظاهرة لا يمكن منعها، تصبح قيمة التنبؤ في القدرة على تحويل أشهر الإنذار إلى استعداد: تخزين المياه والحبوب، حماية المحاصيل، تعزيز أنظمة الإنذار من الفيضانات والحرائق، وتأمين الفئات الأكثر هشاشة قبل أن يتحول ارتفاع حرارة مياه الهادئ إلى فاتورة يدفعها العالم على اليابسة.
عاجل
عاجل
عاجل
عاجل