لبنان
سياسة

بيروت: مدينة أكبر من ممثليها، وتعددية تتجاوز الطائفية نحو هوية وطنية جامعة

النهار١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٣٠ م0 مشاهدة
بيروت: مدينة أكبر من ممثليها، وتعددية تتجاوز الطائفية نحو هوية وطنية جامعة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بيروت أكبر من ممثليها، رفيق الحريري استثناء لن يتكرر: كيف صنعت وظيفة العاصمة مجتمعاً مدنياً تعددياً لا يتحمل اختزاله بتمثيل واحد؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لا يقتصر التعدد السياسي في بيروت على كونه مجرد انعكاس للتعدد الطائفي، بل إن الطائفة هي عنصر واحد ضمن منظومة معقدة تشمل التعليم، والمهنة، والطبقة الاجتماعية، والمنطقة الجغرافية، والجيل، والثقافة، والتيارات الفكرية، والمصالح الاقتصادية، والانتماءات العربية والوطنية واليسارية والليبرالية والنقابية والمهنية. كل هذه العوامل تتضافر لتشكيل الموقع السياسي للفرد في قلب العاصمة.

بيروت: أكثر من مجرد عاصمة

بيروت ليست مجرد مدينة لبنانية أخرى أو عاصمة مرسومة على الخريطة. فعندما تؤدي العاصمة وظيفتها كاملة، فإنها تحتضن الدولة بأكملها، وتجمع في نطاقها الحضري مصالح اقتصادية وإدارية وثقافية وإعلامية ومهنية وتجارب اجتماعية متنوعة. في هذا المجال، تتقاطع المهنة مع التعليم، والطبقة مع الثقافة، والمنطقة مع الذاكرة، لتنتج المدينة مجتمعًا لا يمكن اختزاله في هوية واحدة. من هنا، تنتج بيروت بالضرورة نخبًا متعددة وتيارات وشخصيات تتنافس على ادعاء تمثيلها. إن بيروت أكبر من ممثليها، لأن المجتمع الذي أنتجته العاصمة أوسع من أي تمثيل منفرد.

صناعة العاصمة لمجتمعها

لم يتشكل مجتمع بيروت دفعة واحدة، بل تراكم عبر موقعها البحري وانفتاحها العربي والمتوسطي، من خلال التجارة والمرفأ والهجرة والتعليم والصحافة والمهن والجامعة والاقتصاد والكتاب والثقافة. حتى عمارتها التقليدية كانت نتاج تفاعل مع المجال العربي والمتوسطي، حيث استقبلت المؤثرات الخارجية وأعادت إنتاجها وفق شروط المكان، فصنعت لغة عمرانية بيروتية خاصة. لذلك، لا يمكن فهم بيروت من سكانها الحاليين فقط، بل من الذاكرة التاريخية المتراكمة في شوارعها ومرفئها وساحاتها وجامعاتها وصحفها ومقاهيها ومؤسساتها. إنها ذاكرة جماعية وذاكرة للمكان، تراكمت فيها وظائف جعلت المدينة حيزًا لإنتاج هويتها.

من تعدد المجتمع إلى تعدد التمثيل

التعدد السياسي في بيروت ليس مجرد انعكاس للتعدد الطائفي. فبينما تشكل الطائفة عنصرًا من عناصر التكوين، فإن التعليم والمهنة والطبقة والمنطقة والجيل والثقافة والتيارات الفكرية والمصالح الاقتصادية والانتماءات المتنوعة تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل الموقع السياسي للفرد. وبالتالي، يتحول التعدد الاجتماعي إلى تعدد في مصادر التمثيل. عرفت بيروت دائمًا، حتى في أوقات هيمنة صوت سياسي واحد، أصواتًا أخرى في الثقافة والصحافة والجامعة والنقابات والمهن والاقتصاد. قد يمتلك زعيم أو حزب نفوذًا واسعًا، لكنه يتحرك داخل مجتمع يحتفظ بالذاكرة والمقارنة والقدرة على إعادة التقييم. تمثيل بيروت ليس ملكية سياسية؛ إنه علاقة قابلة للتجديد والسحب وحتى الإلغاء.

بيروت: رأي عام يختبر ممثليه

من هنا، يصبح التمييز بين الجمهور والرأي العام ضروريًا. فالجمهور كتلة يمكن تعبئتها، أما الرأي العام فهو أوسع وأبطأ وأكثر تركيبًا؛ يتشكل من المعرفة والنقاش والتجربة والفكر النقدي. لذلك، لا يكتفي بالاستجابة، بل يقيم ويحاسب ويغير موقفه مع تغير الوقائع. في بيروت، لم تكن السياسة محصورة بالمنصة الانتخابية. فالصحافة والجامعة والنقابات والمهن والثقافة والأسواق والمجالس الاجتماعية أنتجت فضاءً عامًا تتعدد فيه مصادر المعلومات والتقييم. لذلك، تصبح الانتخابات مناسبة لإعادة اختبار علاقة التمثيل بالمجتمع. بيروت لا تنتخب مرة واحدة؛ إنها تعيد تقييم من يدعي تمثيلها.

الحرب كسرت المدينة ولم تمحُها

كسرت الحرب الأهلية المجال الحضري المشترك، فقُسمت المدينة جغرافياً، وانقطعت طرقها، وتقلص فضاؤها العام، وحلت الجبهات والهويات المغلقة محل كثير من العلاقات التي كانت تصل أجزاءها. لكن كسر المجال لم يكن محوًا للشخصية. فقد فصلت الحرب أجزاء المدينة وأعادت تنظيم الحياة حول الانقسام، لكنها لم تمحُ الذاكرة ولا الوظائف التاريخية ولا إمكان العودة إلى مجال مشترك. لذلك، كانت الحرب قطيعة في شروط التعبير عن بيروت أكثر من كونها نهاية لشخصيتها.

عودة العاصمة والمجتمع المتغير

استعادت بيروت كثيرًا من وظائف العاصمة: الاقتصاد والمال والإعلام والتعليم والثقافة والإدارة والاتصال بالعالم. لكن عودة الوظيفة لم تكن عودة للمجتمع نفسه. فقد تغيرت الأجيال والاقتصاد، واتسعت الفوارق، وتبدلت وسائل الإعلام والعمل والهجرة والاتصال، وأثرت الأزمات المتلاحقة في علاقة المجتمع بالمدينة والدولة والسياسة. فالعاصمة ليست مجموع مؤسساتها، بل العلاقة التي تنشأ بينها وبين مجتمعها وبين هذا المجتمع وسائر الدولة. ومن هنا، فإن الإشكالية اللبنانية ليست في التعدد ذاته، بل في غياب الإطار الوطني الذي ينظمه ويحوله إلى تعاون سياسي ومؤسسي. كانت قوة بيروت التاريخية تكمن في تعدد مرجعياتها داخل مركز وطني ذي هيبة؛ أي إن تعددية المدينة كانت تصب في تعددية الدولة ولا تتحول إلى بديل منها. لكن النفوذ السوري طوال أربعة عقود، ثم النفوذ الإيراني لاحقًا، دفع المعادلة في الاتجاه المعاكس، بإضعاف السلطة المركزية المتعددة وتعزيز مرجعيات أحادية، ثم تعميق هذا المسار. وهكذا لم يعد التعدد منظمًا داخل سلطة وطنية واحدة، بل تحول إلى تعدد في قيادات محلية وهجينة مرتبطة بتوازنات نفوذ خارجية. ضرب مركزية الدولة لم يستعد التعدد الوطني؛ بل فكك المجال السياسي الذي كان يوحده. كما أخفقت النخب اللبنانية في تحويل اتفاق الطائف من نصوص وآليات إلى مشروع سياسي وفكري وثقافي قادر على إعادة إنتاج الدولة المدنية الوطنية. لذلك، بقي الانتقال من التوازن الطائفي إلى الدولة والمؤسسات ناقصًا ومعطلاً.

بيروت تعيد تعريف وظيفتها وهويتها

اليوم، لا تستعيد بيروت وظائف فقدتها فحسب، بل تعيد إنتاج وظيفتها وهويتها في ظل تحولات جيوسياسية جديدة. وتبدأ المسألة من الجغرافيا، ومن إعادة تعريف علاقتها بدمشق. فبيروت ليست جزيرة سياسية، ودمشق ليست مجرد عاصمة مجاورة؛ إنهما عقدتان داخل مجال جغرافي واحد يصل الساحل بداخل المشرق. لا تستطيع بيروت استعادة وظيفتها باستنساخ الماضي أو بالانكفاء، بل بإعادة تركيب عناصر قوتها: موقعها، وانفتاحها العربي والمتوسطي، ومواردها البشرية، وجامعاتها وثقافتها وإعلامها واقتصاد خدماتها وشبكاتها العربية والدولية، والأهم مجتمعها المديني المتعدد القادر على إنتاج الأفكار والنخب والشبكات. وفي هذا السياق، لم يكن رفيق الحريري خروجًا من تعددية بيروت، بل حالة استثنائية داخلها. ففي لحظة تاريخية محددة، جمع اتجاهات وعقولاً مختلفة في جسم سياسي واحد، وأدى مؤقتًا وظيفة كانت المدينة تؤديها عادة عبر تعدد ممثليها. لكن قيمة التجربة لا تكمن في جمع التعدد حول شخص، بل في تحويل التعدد من شخص إلى مؤسسة. فالشخص الاستثنائي يختصر لحظة تاريخية، لكنه لا يضمن وحده استمراريتها. وهنا تقع مسؤولية النخب: تحويل تعدد المدينة إلى مؤسسات، وموقع العاصمة إلى وظيفة وطنية، والذاكرة والتجربة إلى مشروع للمستقبل. تعددية التمثيل في بيروت: نموذج وطني قابل للتعميم على لبنان. لا تعني استعادة بيروت العودة إلى بيروت السابقة، بل إعادة اكتشاف جغرافيتها لإعادة إنتاج سياستها ووظيفتها ومجتمعها المتعدد. فالتعدد ليس ضعفًا ولا عجزًا عن إنتاج قائد واحد، بل قوة ديمقراطية تسمح بالتنافس وتداول التمثيل وتجديد النخب، وتمنع اختزال المدينة في شخص أو حزب أو جماعة. ويمكن لبيروت أن تقدم قيمة سياسية تتجاوز حدودها، بتحويل تعددها إلى نموذج قابل للانتقال إلى المدن اللبنانية الأخرى، بحيث يصبح تعدد المرجعيات جزءًا من الثقافة الوطنية لا سببًا إضافيًا للانقسام. وهنا تكمن الحاجة الوطنية والكيانية: صيغة مؤسسية تجعل التعدد قوة للدولة والمجتمع، لا سببًا لتفككهما. لذلك، لا يعود السؤال: من يمثل بيروت؟ بل: أي مشروع يستطيع أن يكون على مستوى مدينة أكبر من ممثليها؟ فالزعيم يرحل، والحزب يتغير، والجمهور يتحرك، والانتخابات تتبدل؛ أما المدينة فتبقى بذاكرتها ومجالها وتعددها وقدرتها على إعادة إنتاج نفسها. بيروت أكبر من ممثليها؛ لأنها لا تنتج الزعماء فقط، بل تستطيع أن تنتج نموذجًا سياسيًا يتعلم منه لبنان كيف يحول تعدده من مصدر للانقسام إلى مصدر للقوة، ومن عبء على الدولة إلى أساس لتجددها. (نزيه الخياط* أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية)

شارك الخبر: