لبنان
ثقافة

الراتب المنتظر: سيكولوجية الإنسان السوري بين القهر والانتظار

المدن١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٢٢ م0 مشاهدة
الراتب المنتظر: سيكولوجية الإنسان السوري بين القهر والانتظار

تنويه

هذا الخبر بعنوان "انتظار الراتب: الإنسان السوري المقهور" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يتزامن انتظار صرف الرواتب هذا الشهر مع إعادة قراءة كتاب مصطفى حجازي "التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور"، مما دفعني لمراقبة الأخبار المحلية المتعلقة بصرف الرواتب. تتباين أوقات صرف رواتب وزارة التربية بين المحافظات السورية، لكنها تتشابه في طريقة الإعلان بكلمة "مبروك". تنقسم التعليقات بين مباركات واستفسارات ودعوات، تتخللها أحياناً شتائم من حسابات وهمية.

منذ فترة طويلة، تحولت الرواتب في سوريا إلى ما يشبه الهبة أو المكرمة للمواطنين. ورغم الوعود بتغيير هذه الآليات، تبخرت التصريحات الرسمية وتحولت إلى فقاعات إعلامية موجهة للخارج. لم يُسمح للسوري بالنظر إلى راتبه كواجب قانوني، بل كمنحة، وهي من آليات الهيمنة النفسية والاجتماعية في مجتمعات القهر، كما أشار مصطفى حجازي، الذي ربط جوهر التخلف بهدر قيمة الإنسان وحرمانه من حقوقه.

التخلف في جوهره استلاب اقتصادي واجتماعي يؤدي إلى استلاب نفسي. أتذكر كيف كانت معلمة تدافع بشدة عن الرئيس الذي ما زال قادراً على صرف الرواتب والمكرمات، رغم حصاره. فهمت وقتها كيف تغير السلطات نظرة الإنسان لنفسه، فيصبح مجرد أداة.

يفسر مصطفى حجازي هذا بالتماهي مع السلطة، كآلية دفاعية لحماية الذات من الانهيار النفسي. عندما يعجز الفرد عن مواجهة قوة قاهرة، يلجأ إلى تبني قيم السلطة والتفكير بلغتها، متوهماً أنه أصبح مشاركاً في القوة. وهكذا، يُعاد تشكيل صورة السلطة من مؤسسة حكومية إلى الأب الراعي، مما يفسر سلوك المباركات والامتنان عند صرف الرواتب، حيث يُنظر للراتب كمكرمة لا كحق.

تتجلى خطورة الوضع في دفاع المقهورين عن النظام القاهر بحماسة، ولومهم للضحايا الآخرين الذين يطالبون بحقوقهم، معتبرين أنهم يزعزعون الاستقرار. عندما يُحرم الإنسان لعقود من القدرة على التأثير، يتكيف نفسياً بتخفيض تطلعاته ورغباته. أمور بديهية كقبض الراتب في موعده ترتفع قيمتها لتصبح إنجازات مهمة، لأن البديل هو الفراغ أو العجز. الشعور بالسعادة هنا هو آلية دفاعية للتقليل من القلق والخوف من الجوع.

"الفقر لا يصنع ثورة، وإنما وعي الفقر هو الذي يصنع ثورة". يحتاج المواطن السوري اليوم لثلاث وظائف يومياً للبقاء، مما يجعله مغيباً عن البحث عن الأسباب الحقيقية للأزمات.

يظهر التاريخ النفسي أن حالة الاستكانة ليست موتاً للحس بالحق، بل غياب مؤقت بسبب انعدام موازين القوى. ما نراه في الشارع السوري اليوم هو إنهاك شديد لمجتمع مر بظروف قاسية، والتكيف هو وسيلة للبقاء وتخفيف القلق.

شارك الخبر: