“أشياء الآخرين”: رحلة في حياة رجل عبر كذبة امرأة غامضة


هذا الخبر بعنوان "البندقية 83 - ”أشياء الآخرين“: حياة من خلال كذبة" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
فيلم “أشياء الآخرين” للمخرج البولندي غريغور ديبوفسكي، الذي عُرض ضمن مسابقة “أوريزونتي” في مهرجان البندقية السينمائي، يتجاوز السرد التقليدي لقصة امرأة ليغوص في حياة رجل غامض رحل تاركاً وراءه ألغازاً. بدلاً من التركيز على شخصية كاسيا (مونيكا سابينا كفياتكوفسكا)، عاملة النظافة الأربعينية التي تعيش على هامش الحياة، يتحول الفيلم إلى استكشاف لحياة رجل ميت من خلال كذبة تطلقها كاسيا.
تبدأ القصة مع كاسيا، التي تبدو شاحبة ومقتصدة في الكلام، وتعمل في تنظيف المنازل. طبيعة عملها تتيح لها اقتحام خصوصيات الآخرين، وسرقة بعض مقتنياتهم. لكن هذا الانشغال يتحول تدريجياً من سرقة الأشياء المادية إلى استكشاف “الأشياء” بمعناها الروحي. في أحد المنازل التي تنظفها، تكتشف أن قاطنه، وهو رجل لن نراه أبداً ولكنه سيصبح الشخصية المحورية، قد مات. تستغل كاسيا هذه الفرصة للتسلل إلى بيته وحياته، بل وتدّعي أنها كانت صديقته، علّها تستفيد شيئاً من هذا الادعاء.
يُحور الفيلم قواعد أفلام الجريمة التقليدية، حيث لا ينبع اللغز من سؤال “مَن ارتكب الجريمة؟”، بل يصبح أكثر تعقيداً: “كيف عاش هذا الرجل؟ ومَن كان؟”. من خلال هذا التحوير، يبني ديبوفسكي حكاية عن مدى التباعد الذي يمكن أن يفصل البشر عن بعضهم البعض، لدرجة أنهم قد لا يرون الآخرين كبشر إلا من خلال كذبة أو تظاهر بشخصية أخرى.
تصبح كاسيا، التي كان المجتمع ينبذها، “مرئية” من خلال هذا الانشغال اليومي الذي يتحول إلى روتين. المفارقة أن الناس يبدأون برؤيتها فعلاً فقط بعد أن تتظاهر بأنها كانت قريبة من المرحوم. الموت يبعث فيها الحياة، والكذبة تولد سلسلة من الحقائق. الفيلم، رغم أنه عن الفضول، إلا أنه قد يخيب الآمال في توسيع دوائر العلاقات والاحتكاكات حول الرجل الغائب. كاسيا، التي بدت في البداية عادية، تصبح شخصية فضولية تجاه حياة رجل لا تعرفه، ربما بسبب الإسقاط على حياتها أو لأن اكتشافها له يضعها أمام حقيقة أن المال أو البيت لم ينقذا حياة رجل لم يحصل على السعادة.
لا يقدم الفيلم أجوبة شافية، فهو يكتفي بإلقاء أنصاف أفكار، ويبقى مترجحاً بين كونه “فيلماً عنها” و”فيلماً عنه”. ومع ذلك، يطرح الفيلم خطاباً أوسع عن تفتت العائلة وانكسارها، وعن إمكانية جمعها مجدداً في ضوء المآسي والخيبات. يلمح الفيلم إلى مفارقة مؤلمة: كم هو ضئيل ما نحتاج إليه للعودة إلى بعضنا البعض، ولو للحظة واحدة، وكم يمكن أن يكون هذا القليل فظيعاً.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة