كسر دائرة الألم: كيف تُشكّل الصدمات العائلية هويّتنا وتُورّث عبر الأجيال؟


هذا الخبر بعنوان "كسر دائرة الألم: كيف تُشكّل الصدمات العائلية هويّتنا وما نُصبح عليه؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
إنّ كسر الإرث النفسي لا يعني إنكار الماضي، بل التحرّر من سطوته وصناعة مستقبل أكثر أماناً للأجيال القادمة. يتسلّل الإرث النفسي عبر الأجيال ليُشكّل ملامح الخوف لدينا.
نواجه في حياتنا اليومية سلوكيات عائلية تُثير التساؤلات حول جذورها، كالتوترات المفاجئة بين أفراد الأسرة دون سبب واضح، مما يجعلنا نقف مذهولين أمام هذه الاضطرابات. قد نغفل عن أن الأجيال السابقة مرت بحروب وصدمات عميقة لم تجد سبيلاً للتعبير عنها. ورغم أننا قد نتوقع طي تلك التجارب، إلا أن علم النفس والواقع يُثبتان أن الألم لا ينتهي برحيل صاحبه، وصدمات الأجداد لا تموت، بل تنتقل كأسلوب حياة يُحدد كيفية تعامل العائلة مع مشاعرها ومخاوفها وما تختاره من صمت.
في حديث لـ “النهار”، تتناول حازر زريق، الاختصاصية في علم النفس السريري، كيفيّة انتقال آثار الصدمات العائلية وتأثير تجارب الطفولة بالعلاقات العاطفية وأساليب التربية، وإمكانية التخلّص من الأنماط المؤذية. وتوضح أن “الألم قد ينتقل إلى الأجيال اللاحقة، ليس كذكريات واضحة، بل من خلال طريقة عيش العائلة، تعبيرها عن الحب، مخاوفها والأمور التي تتجنّب الحديث عنها”. وتشرح أن الأسر التي عاشت الحرب قد تستمر في حالة خوف ويقظة، مما يدفعها لنقل مخاوفها لأبنائها الذين قد يكبرون وهم يتوقعون الأسوأ.
مع مرور الوقت، قد يتحوّل ذلك إلى سلوك تربوي ينتقل للنشء التالي، فيصبح الأب أو الأم شديدي القلق، فيما ينمو الأبناء وهم يشعرون بأن شيئاً ما قد يحدث. يبحث علم التخلّق “Epigenetics” في تأثير التجارب الضاغطة على أنماط التعبير الجيني. وتستند دراسة نُشرت في مجلة “Scientific Reports” عام 2025 إلى ثلاثة أجيال من عائلات اللاجئين السوريين، ورصدت تحوّلات بنشاط بعض الجينات لدى أحفاد لم يشهدوا مصائب النزاعات. مع ذلك، تُؤكد زريق على ضرورة الحذر، فهذا المجال لا يزال في بداياته ولا يجوز اختزال الصدمات النفسية كعامل موروث جينياً بحت.
وما يتجلّى لها بوضوح في عيادتها هو “أثر التنشئة والبيئة حيث تنتقل السلوكيات وآليات التعامل مع الرهبة تلقائياً عبر الجميع، فنحن غالباً لا نرث الجرح الأصلي ذاته، بل الأسلوب الذي طوّرته العائلة للنجاة منه”. إن الخوف من توريث الأسى هو مجرد بداية، فالوعي وحده لا يكفي إن لم يقترن بخطوات علاجية استباقية. من هذا المنطلق، تبرز الحاجة للجوء الأزواج إلى الإرشاد النفسي قبل الإنجاب لتحرير الذات من أثقال الماضي.
التوعية الفعّالة تُعالج الجذور لا المظاهر وتتجاوز لوم الأعقاب السابقة إلى فهم أثرها الممتد. لا يعني الشفاء إنكار أوجاع الطفولة، بل يتطلب شجاعة مواجهة أسبابها والتحرّر منها. وفي ظلّ المحن والشدائد، يتجلّى التغيير الحقيقي في قدرتنا على ضبط ردود أفعالنا والحدّ من وطأتها، بما يُساعد على احتواء الصدمة. يقترن ذلك بشجاعة الاعتذار وجسر الهوة بين الذريّة، لِنغدو حقاً نحو إيقاف هذا المَدّ واختيار التعافي الجاد.
كثيرون يرون إرضاء الآخرين أو تجنّب الخلاف طباعاً أصيلة فيهم، بينما هي غالباً استجابات مكتسبة من طفولة بيئتها صعبة، فالصمت قد يكون نتاج الرعب من المواجهة وربط القيمة بالإنجاز ينشأ عن غياب الحب غير المشروط. الفيصل بين الطبع الأصيل والسلوك المكتسب هو مساحة الحرّية. ومن لا يتلقّى الاهتمام والحنان إلّا مقابل تفوّقه، يربط قيمته الذاتية بإنجازاته ليشعر لاحقاً بأنَّه غير جدير بالحب ما لم يكن مثالياً. تُحذّر زريق من إسقاط صفة المحنة على كل ملمح شخصي، فالمعيار بين الشخصية الأصيلة والسلوك المكتسب يكمن في مساحة الحرّية المتاحة بالاستجابة.
وتدعو زريق إلى طرح أسئلة بسيطة على الذات: “هل نستطيع رفض طلب دون الشعور بالذنب؟، هل يُمكننا الاختلاف مع شخص نُحبه دون الخوف من خسارته؟، هل نستطيع ارتكاب خطأ دون أن نشعر بأنَّه ينتقص من قيمتنا الذاتية؟”. فعندما تُصبح مشاعر الذنب، الخجل أو الخوف من فقدان الحب أقوى من قدرتنا على التصرّف براحة، نكون أمام أنماط مكتسبة لم تعد تخدمنا. من هنا تبدأ إحدى أولى خطوات التعافي: التعرّف إلى هذه الأنماط ومنح أنفسنا الإذن في الاستجابة بطريقة مختلفة.
تصف زريق العائلة بأنَّها المدرسة الأولى التي يتعلّم فيها الطفل معنى العلاقات والأمان الوجداني. ففي المنزل، يكتشف ما إذا كانت مشاعره محترمة وإذا كان الشجار يُمكن أن ينتهي بالتفاهم وإصلاح ما حدث أم بالصمت والعقاب. في البيئات غير المستقرّة، يتّقن قراءة أدقّ للإشارات للحرص على سلامته، فآلية النجاة هذه تتحوّل لاحقاً إلى استنفار عصبي دائم يُرهق النفس بالهلع والإرضاء ويُجهد الجسد بالأعراض والآلام. تتكرّر الأنماط لاحقاً فتصنع أشكال التعّلق، فالقلِق يخاف الهجر، التجنّبي يخشى القرب وغير المنظّم يتوق للأمان ويرهبه. ليس كلّ ما اعتدناه صحياً، والعلاج النفسي بوابة لبداية جديدة، أمّا كسر هذا النمط فيبدأ بالتنبّه لعلامات الغضب الجسدية، التريّث ثمَّ الاعتذار.
ترى زريق أنَّ “الحب لا يكفي دون إدراك احتياجات الطفل العاطفية، فالتسرّع في تقديم الحلول بدل الإصغاء قد يدفعه إلى كتمان مشاعره، إذ تكمن أهميّته بتفهّم هذه الانفعالات واحتوائها”. يقوم التعافي على تقبّل حقيقة أنَّ الوالدين قد يكونان عانا ظروفاً قاسية وفي الوقت نفسه تسبّبا بالأذى. ففهم أثر القتال والفقر يُفسّر القسوة ولا يُبرّرها، فيما يتطلّب الشفاء الاعتراف بالضرر، رعاية الذات ووضع الحدود عند الحاجة دون اعتبار التسامح شرطًا للتعافي. وتختم بأنَّ التربية الأفضل تبدأ بالتريّث وفهم الماضي للتحرّر من آثاره وكسر دائرة المعاناة. إنَّ طلب الرعاية النفسية ليس وصمة بل واجب أخلاقي لحماية المجتمع بأسره من مآسي الانهيار الناتجة عن غياب الدعم والتفهّم. تبدأ خطوة الشفاء الحقيقية حين يتخلّى الأهل عن الإنكار ويمتلكون شجاعة الاعتراف بالخطأ وقبول فجوة الأجيال، فيُوازن الأبناء بين حرّية الاستقلالية واحترام الحدود. تبقى العائلة هي المحور الأساسي، فإمّا أن تمنح أبناءها السلام أو تقودهم نحو الخراب. ومن أهمية التوعية النفسية الشاملة أن نغدو الجيل الذي يُعالج أثقال الماضي ويختار الشفاء بدلاً من توريث المآسي.
صحة
صحة
صحة
صحة