لبنان
سياسة

وساطة الدوحة في بيروت: محاولة لإنقاذ لبنان بين ضغوط واشنطن وتهديدات تل أبيب ورسائل طهران

المدن١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٣:٥٠ م0 مشاهدة
وساطة الدوحة في بيروت: محاولة لإنقاذ لبنان بين ضغوط واشنطن وتهديدات تل أبيب ورسائل طهران

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بين ضغط واشنطن وتهديد تل أبيب ورسائل طهران: وساطة الدوحة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتزايد أهمية الزيارة التي يقوم بها رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إلى بيروت، حيث تمثل محاولة عربية لفتح الأبواب المسدودة أمام لبنان الذي يواجه انهياراً تحت وطأة التهديدات الإسرائيلية والمأزق الداخلي. وفي ظل احتمالات المواجهة الكبرى في المنطقة، تسعى الدوحة إلى اختراق الجدار الدبلوماسي لإيجاد ممرات آمنة للبنان للخروج من معادلة الانهيار.

تأتي هذه الجهود القطرية وسط مشهد إقليمي متأزم تفرضه واشنطن بتصلبها، حيث كشفت معلومات دبلوماسية عن رفض أميركي قاطع لتمديد ولاية قوات "اليونيفيل"، معتبرة أن البعثة استنفدت أغراضها ولم تمنع تحصين حزب الله لبنيته العسكرية. وتفرض الإدارة الأميركية مسار الإطار الثلاثي كخيار وحيد، مشروطةً أي استقرار إقليمي أو إعمار بنزع سلاح الحزب وبسط سيادة الجيش اللبناني حصريًا. يأتي هذا وسط تهديد إسرائيلي بتدمير واسع النطاق يشمل أكثر من مليون مواطن، وإخلاء الجنوب حتى نهر الأولي والضاحية في حال انضمام حزب الله إلى مواجهة محتملة مع إيران.

يتزامن ذلك مع اتصال مرتقب لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو برئيس الجمهورية جوزاف عون، لمناقشة قضية المتفجرات المرتبطة بـ"حزب الله"، على خلفية ضبط سيارة عند حاجز ضهر البيدر، بالإضافة إلى الشكوى المقدمة بحق سفيرة لبنان لدى واشنطن، ندى حمادة معوض. يأتي هذا الاتصال في ظل سجال سياسي داخلي بشأن شحنة المتفجرات، وبعد قرار القضاء العسكري حفظ الإخبار المقدم بحق السفيرة معوض. وقد فجر النائب حسن فضل الله، ردًا عن الحزب، مواجهة مفتوحة مع السلطة الرسمية، معتبرًا قرارات الحكومة السابقة باطلة ومطالبًا بالتراجع الفوري عن الإجراءات.

في هذا التوقيت، وصل رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري إلى بيروت في زيارة رسمية، استقبله خلالها رئيس الحكومة نواف سلام. تكمن أهمية الزيارة في قدرة الدوحة على تحويل حضورها إلى فرصة سياسية في لحظة تتراجع فيها إمكانيات التسوية وتتقدم فيها الحسابات العسكرية. يواجه التحرك القطري مأزقين متداخلين: خارجي يتمثل في الضغوط الأميركية والتهديدات الإسرائيلية، وداخلي يرتبط بالخلاف على السلاح وحدود سلطة الدولة. وأي محاولة للتهدئة تبقى محدودة النتائج ما لم تجد صيغة للتعامل مع المأزقين معًا. تبدو المهمة القطرية أقرب إلى محاولة فتح نافذة سياسية في جدار الاستعصاء، في وقت يتضاءل فيه هامش المناورة الرسمية.

تتزامن زيارة المسؤول القطري مع تشدد أميركي حيال مستقبل "اليونيفيل"، ورفض واشنطن تمديد مهمتها، رابطة أي وجود دولي لاحق بأهداف الإطار الثلاثي المطروح للعلاقة بين لبنان وإسرائيل. تكمن المعضلة في أن المقاربة الأميركية تربط تعزيز قدرات الجيش اللبناني ونزع سلاح "حزب الله" بمسار الاستقرار، فيما يستمر الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية وتتواصل الاعتداءات. يجعل هذا الاختلال التفاوض أمام معضلة أساسية: كيف يمكن مطالبة الدولة ببسط سيادتها دون توفير الشروط التي تتيح ممارسة هذه السيادة فعليًا؟

تزداد خطورة المشهد مع تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي هدد بتهجير أكثر من مليون لبناني في حال انخراط "حزب الله" في مواجهة محتملة إلى جانب إيران. تكشف هذه التهديدات أن إسرائيل لا تحصر خياراتها باستهداف القدرات العسكرية للحزب، بل تلوح بتوسيع نطاق الحرب ليشمل السكان والأرض والعمران. وفي المقابل، تحدّثت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن إطلاق "حزب الله" ثلاث وسائل جوية لجمع المعلومات، ما يظهر هشاشة الوضع الميداني.

في موازاة التحرك القطري، حمل معاون وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زادة إلى بيروت خطابًا مختلفًا، قائمًا على التشكيك في جدوى المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، والتأكيد أن استمرار الاحتلال يبرر بقاء سلاح "حزب الله". وأعلن خطيب زادة أن فرص التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة شبه معدومة، داعيًا إلى الاستعداد "لأسوأ السيناريوهات". تكمن الدلالة اللبنانية الأبرز في تصريحاته في تمسكه بشرعية استمرار السلاح، بالتزامن مع نفيه وجود علاقة تراتبية بين إيران والحزب.

في الداخل، كشفت قضية شحنة المتفجرات المضبوطة عند حاجز ضهر البيدر عمق الاشتباك على مفهوم السيادة وصلاحيات المؤسسات الأمنية. فقد طعن النائب حسن فضل الله في شرعية قرار حكومي من حيث المبدأ، معتبرًا أن الجهات التي تستخدم السلاح معروفة وأن السلاح موجه ضد إسرائيل. في المقابل، يتمسك رئيس الحكومة نواف سلام بملاحقة القضية واتخاذ الإجراءات القانونية، فيما أعلن وزير العدل عادل نصار العمل على إعداد مشروع مرسوم لإحالة الملف إلى المجلس العدلي.

لم تكن قضية المتفجرات وحدها التي كشفت حدود التوافق الحكومي. فقد انسحب وزراء "القوات اللبنانية" من جلسة مجلس الوزراء احتجاجًا على عدم اتخاذ قرارات لمعالجة أزمة الكهرباء. تُظهر هذه الواقعة أن الحكومة تواجه صعوبة في تحويل التوافق المبدئي إلى قرارات تنفيذية، مما يعكس هشاشة التوافق الحكومي وصعوبة معالجة الملفات الأكثر تعقيدًا.

في المحصلة، تصل الدوحة إلى بيروت فيما تتقاطع ثلاثة مسارات متناقضة: ضغط أميركي لإعادة تشكيل المعادلة الأمنية، وتهديد إسرائيلي بتوسيع الحرب والتهجير، وتمسك "حزب الله" بسلاحه ورفضه الإجراءات الحكومية. تقف الدولة في قلب هذه المسارات، تحاول استعادة قرارها، لكنها تواجه محدودية قدرتها على فرض التزاماتها داخليًا وانتزاع ضمانات خارجية. الفرصة المتاحة ليست تسوية جاهزة، بل إمكانية لمنع مزيد من الانزلاق.

شارك الخبر: