لبنان بين رماد أغصان الأشجار وثروة مهدرة: هل نحرقها أم نستثمرها؟


هذا الخبر بعنوان "أغصان الأشجار في لبنان: نفايات نحرقها أم ثروة نهدرها؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
إن ما نراه من بقايا أشجار قد لا يكون نفايات بالمعنى التقليدي، بل هو مورد بيئي ثمين نخسره كلما اخترنا الحرق أو الرمي العشوائي بدلاً من إعادة الاستخدام. فالأغصان المتكدسة بعد تقليم الأشجار، والأوراق اليابسة المجمعة من الحدائق والشوارع، تثير تساؤلاً يتجاوز مجرد النظافة العامة: هل يمتلك لبنان نظاماً فعالاً لتحويل هذه المخلفات إلى موارد قيمة، أم أن مصيرها المحتوم هو التخلص منها؟
تتكرر عمليات تقليم الأشجار وتنظيف المساحات الخضراء، خاصة في المدن والبلدات، لكن التعامل مع نواتج هذه العمليات لا يقل أهمية عن التقليم نفسه. فترك الأغصان الجافة في أماكن غير مناسبة قد يحولها إلى مواد قابلة للاشتعال، مما يزيد من مخاطر انتشار الحرائق في الظروف الملائمة. أما حرقها في الهواء الطلق، فلا يحل المشكلة بل ينقلها إلى الهواء الذي نتنفسه. وتحذر منظمة الصحة العالمية، في وثيقتها الصادرة في تموز 2025 بعنوان Open waste burning: Sectoral solutions for air pollution and health، من أن حرق النفايات في الهواء الطلق يطلق ملوثات تؤثر سلباً على جودة الهواء والصحة العامة. كما أظهرت دراسة نشرت في مجلة Atmospheric Environment في كانون الأول 2024، تناولت حرق أغصان الزيتون ومخلفات تقليم الحدائق، أن هذه العملية تطلق جسيمات دقيقة وملوثات غازية، وأن عينات الانبعاثات المدروسة أظهرت آثاراً ضارة في حيوية خلايا الظهارة الرئوية مخبرياً. وهذا دليل على خطورة الانبعاثات، وليس قياساً مباشراً للأضرار الصحية الناتجة عن حرق الأغصان في لبنان.
ولكن ماذا لو لم تكن هذه الأغصان نفايات، بل مادة أولية قابلة للاستثمار؟ في دراسة بحثية نشرت عام 2025 في مجلة ACS Sustainable Chemistry & Engineering، تحت عنوان Turning Waste into Worth: Valorizing Urban Tree Pruning Residues for Sustainable Materials Development، تناول الباحثون إمكانية تحويل مخلفات تقليم الأشجار الحضرية إلى مواد ذات قيمة، بدلاً من الاكتفاء بالتخلص منها. وفي السياق نفسه، استعرضت دراسة منهجية نشرت في مجلة Biomass and Bioenergy في أيلول 2025 إمكانيات استخدام مخلفات التقليم الزراعي لإنتاج الفحم الحيوي ومواد ومنتجات أخرى عبر التحلل الحراري.
تفتح هذه الأبحاث الباب أمام حلول عملية، أبرزها فرم الأغصان واستخدامها في إنتاج رقائق الخشب، أو معالجة المواد النباتية المناسبة وتحويلها إلى سماد عضوي، أو الاستفادة منها في إنتاج الفحم الحيوي ضمن منشآت مجهزة وتحت رقابة تقنية. ويمكن استخدام الفحم الحيوي، بحسب خصائصه وطريقة إنتاجه ونوع التربة، لتحسين بعض خصائص التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالماء والعناصر الغذائية. غير أن هذه الاستخدامات تتطلب فرز المواد ومعالجتها بصورة صحيحة؛ فليست كل الأغصان مناسبة لكل تطبيق، ولا يمكن اعتبار أي منتج ناتج عنها آمناً أو مفيداً دون تقييم جودته.
وتكمن أهمية هذه الحلول في نقل إدارة المخلفات من منطق التخلص منها إلى منطق الاقتصاد الدائري، حيث تُستعاد قيمة المواد بدلاً من هدرها. لكن تطبيقها في لبنان يتطلب أكثر من مبادرات فردية: بلديات تنظم جمع الأغصان ونقلها، ونقاط تجميع مخصصة، وشراكات مع منشآت قادرة على فرمها أو تحويلها إلى منتجات مفيدة، إلى جانب توعية المواطنين بمخاطر الحرق العشوائي. ولا بد من التمييز بين ما أثبتته الدراسات الدولية وما لم يثبت محلياً بعد. فالأبحاث المذكورة تدعم إمكانيات الاستفادة من هذه المخلفات ومخاطر حرقها، لكنها لا تحدد كمية الأغصان التي تُرمى سنوياً في لبنان، ولا نسبة ما يُحرق منها أو يُعاد تدويره. ويتطلب تحديد حجم المشكلة محلياً بيانات ميدانية عن كميات التقليم وطرق جمعها والتخلص منها.
في النهاية، لا تبدأ حماية البيئة دائماً بمشاريع ضخمة؛ فقد تبدأ من الطريقة التي نتعامل بها مع غصن يابس بعد تقليم شجرة. وبين الحرق والاستفادة، يبقى السؤال: لماذا نتعامل مع مخلفات الأشجار باعتبارها عبئاً يجب التخلص منه، بدلاً من وضع نظام يحولها إلى مورد اقتصادي وبيئي؟
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد